زيارة دبرصيون جبر ميكائيل إلى السودان: بوابة تصعيد محتمل ضد إثيوبيا
شهدت المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة تطورًا لافتًا ومثيرًا للجدل مع تأكيد التقارير على تواجد رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، دبرصيون جبر ميكائيل، داخل الأراضي السودانية، وهو الحدث الذي أثار تساؤلات عديدة حول أهدافه وأبعاده الإقليمية. فوجود شخصية بهذه الأهمية السياسية والعسكرية على الأراضي السودانية لا يمكن اعتباره حادثًا عابرًا، بل يشير إلى تحولات محتملة في موازين القوى الإقليمية في القرن الأفريقي، ويضع السودان في قلب حسابات استراتيجية جديدة تتعلق بالعلاقات مع إثيوبيا وبقية القوى الإقليمية.
أول ما يلفت الانتباه هو السياق الزمني لهذه الزيارة، إذ تأتي في وقت تتصاعد فيه التوترات الحدودية بين السودان وإثيوبيا، خاصة في مناطق الفشقة والمناطق الحدودية الشمالية الشرقية. فالتاريخ الحديث للعلاقات بين البلدين حافل بالخلافات حول الحدود والمياه، بالإضافة إلى ملفات أكبر مثل سد النهضة، الذي ظل نقطة توتر مستمرة بين الخرطوم وأديس أبابا منذ سنوات. وبالتالي، فإن تحرك دبرصيون نحو السودان قد يكون له أكثر من بعد: سياسي، أمني، وربما حتى عسكري.
من منظور سياسي، يمثل هذا التواجد إشارة واضحة على رغبة السودان في توظيف الملف الإثيوبي داخليًا وإقليميًا. فقد شهدت الفترة الماضية محاولات من الخرطوم لتعزيز نفوذها الإقليمي، خصوصًا في ظل تزايد النفوذ الإثيوبي في بعض القضايا الإقليمية والحدودية. وجود قيادات من تيغراي على الأراضي السودانية يمكن أن يشكل ورقة ضغط غير مباشرة، تمكن الخرطوم من التأثير على صنّاع القرار في أديس أبابا، وربما إعادة ترتيب أوراقها التفاوضية فيما يتعلق بالملفات العالقة مثل الفشقة وسد النهضة، بل قد تمتد هذه الأوراق لتشمل ملفات الأمن الإقليمي والتحالفات الاستراتيجية في القرن الأفريقي.
على صعيد آخر، يشير العديد من المحللين إلى أن هذا التحرك يمكن أن يكون جزءًا من لعبة أوسع تشمل أطرافًا إقليمية تسعى إلى تقويض النفوذ الإثيوبي أو إعادة موازنة القوى في المنطقة. فالقرن الأفريقي أصبح خلال السنوات الأخيرة ساحة لتنافس إقليمي، حيث تلعب دول كبرى مثل مصر والسعودية والإمارات وتركيا دورًا في إعادة تشكيل التحالفات، وغالبًا ما يتم ذلك من خلال دعم أطراف داخلية أو معارضة في الدول المجاورة. وفي هذا السياق، قد يكون وجود دبرصيون في السودان مرتبطًا بتنسيق غير معلن مع هذه القوى الإقليمية، ما يضيف بعدًا آخر للأزمة المحتملة بين الخرطوم وأديس أبابا.
لا يمكن إغفال البعد العسكري للأمر، خصوصًا في ظل التصعيد الحدودي الأخير. فالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تمتلك خبرة طويلة في القتال، وقد أثبتت قدرتها على تنظيم عمليات عسكرية معقدة داخل إثيوبيا. ومع وجود قياداتها في السودان، تثار التساؤلات حول ما إذا كانت الخرطوم قد تسمح باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لأي تحركات عسكرية محتملة ضد مواقع استراتيجية في إثيوبيا، أو إذا كان الأمر سيظل ضمن حدود التنسيق السياسي والاستخباراتي. وهذا يفتح الباب أمام احتمال تصعيد محدود أو غير مباشر بين القوات السودانية والإثيوبية، وهو ما قد يؤثر على الاستقرار في المنطقة بشكل عام.
على المستوى الأمني الداخلي، تفرض هذه التطورات تحديات كبيرة على السودان نفسه. فاستضافة شخصيات مسلحة أو قيادات معارضة لدولة مجاورة ينطوي على مخاطر واضحة تتعلق بالأمن الوطني والسيادة. إذ قد تؤدي أي خروقات أمنية أو تحركات عسكرية غير متوقعة إلى توتر داخلي، لا سيما في مناطق الحدود الشمالية الشرقية التي شهدت في السابق صراعات قبلية ومواجهات مسلحة. كما أن وجود دبرصيون على الأراضي السودانية يتطلب من السلطات السودانية إدارة دقيقة للعلاقات مع إثيوبيا، لتجنب أي مواجهة مباشرة قد تتحول إلى صراع واسع.
في المقابل، يرى بعض المراقبين أن هذا التواجد قد يكون جزءًا من استراتيجية احتواء أكبر، تهدف إلى الحفاظ على نفوذ السودان في التوازنات الإقليمية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. فالخرطوم قد تسعى إلى استخدام وجود قيادات تيغراي كأداة تفاوضية في ملفات أخرى، مثل الأمن الحدودي والتجارة والمياه، ما يعكس نهجًا أكثر حذراً في إدارة الصراع مع أديس أبابا. وفي هذه الحالة، يمكن اعتبار السودان لاعبًا ذكيًا يستخدم التحركات الإقليمية لصالحه دون الانخراط المباشر في الصراع الداخلي الإثيوبي.
من منظور التحليل الاستراتيجي، فإن وجود دبرصيون في السودان يعكس ديناميكية جديدة في المنطقة، حيث تتشابك الاعتبارات السياسية والأمنية والعسكرية. فالقرن الأفريقي، كما هو معروف، منطقة معقدة يسودها تداخل بين الصراعات المحلية والاهتمامات الإقليمية والدولية. وأي تحرك من هذا النوع يحمل في طياته رسائل متعددة: للداخل الإثيوبي، وللسودان، وللدول الإقليمية، وللمجتمع الدولي. فالرسائل ليست دائمًا مباشرة، لكنها غالبًا ما تُقرأ ضمن سياق التنافس على النفوذ والمصالح.
ومن زاوية أخرى، يطرح هذا التطور تساؤلات حول مستقبل العلاقات السودانية-الإثيوبية، خاصة فيما يتعلق بالملفات الشائكة. فإدارة العلاقة مع تيغراي تمثل اختبارًا لقدرة السودان على التوازن بين الحفاظ على علاقته الرسمية مع الحكومة المركزية في أديس أبابا وبين استغلال الفرص السياسية التي يتيحها وجود المعارضة الإثيوبية على أراضيه. وهذه المعادلة تتطلب دقة في صنع القرار، حيث يمكن لأي خطأ بسيط أن يؤدي إلى تصعيد غير محسوب.
في المحصلة، يمكن القول إن زيارة دبرصيون جبر ميكائيل إلى السودان تمثل نقطة مفصلية على عدة مستويات: سياسية، وأمنية، وعسكرية، وإقليمية. فهي تكشف عن محاولة السودان إعادة تحديد موقعه في المنطقة، واستخدام أدوات الضغط الإقليمية لصالحه، وفي الوقت نفسه تعكس هشاشة الاستقرار في القرن الأفريقي، حيث تتداخل الحسابات الوطنية مع المصالح الإقليمية والدولية. وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، يبدو أن السودان أصبح لاعبًا رئيسيًا في معادلة القرن الأفريقي، سواء عبر التحركات السياسية أو من خلال استضافة أطراف قادرة على التأثير المباشر في المشهد الإثيوبي.
