حصري

ضربة أمريكية قاصمة تُنهي حقبة إخوان الأردن


وجّهت الولايات المتحدة ضربة قاصمة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، بعد إدراجها على لائحة التنظيمات الإرهابية، في خطوة جاءت مكملة لإجراءات أردنية سابقة، لتُشكّل مجتمعة نهاية فعلية لتنظيم امتد حضوره في المملكة منذ أربعينيات القرن الماضي.

والثلاثاء، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف ثلاثة فروع تابعة لجماعة الإخوان في الشرق الأوسط كمنظمات إرهابية، وفرضت عقوبات شاملة على الكيانات المستهدفة وقياداتها وأعضائها.

وأوضحت وزارتا الخارجية والخزانة الأمريكيتان أن هذه الإجراءات طالت فروع الجماعة في لبنان والأردن ومصر، باعتبارها منظمات “تشكل تهديدًا للولايات المتحدة ولمصالحها”.

وبموجب القرار، صنّفت وزارة الخارجية الأمريكية فرع الإخوان في لبنان منظمة إرهابية أجنبية، وهو أقسى تصنيف قانوني، يترتب عليه تجريم أي دعم مادي أو لوجستي للجماعة. في المقابل، أدرجت وزارة الخزانة الفرعين الأردني والمصري على قائمة “المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة خصيصًا”، على خلفية دعمهما لحركة حماس.

وجاء القرار الأمريكي بعد أشهر من خطوة مماثلة اتخذتها عمّان في الربيع الماضي، حين حظرت بشكل كامل نشاط جماعة الإخوان داخل أراضيها، وصادرت ممتلكاتها، لتتوالى الضربات التي أنهت فعليًا وجود التنظيم سياسيًا وتنظيميًا.

مخططات تمس الأمن الوطني

لم تأتِ الخطوة الأمريكية من فراغ، إذ سبقتها تطورات أمنية خطيرة داخل الأردن، بعد إعلان السلطات إحباط مخططات نسبت إلى عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان، كانت تستهدف المساس بالأمن الوطني.

وكشفت التحقيقات عن تورط 16 شخصًا في تلك المخططات، التي شملت تصنيع صواريخ باستخدام أدوات محلية ومواد جرى استيرادها لأغراض غير مشروعة، إلى جانب حيازة متفجرات وأسلحة نارية، وإخفاء صاروخ جاهز للاستخدام.

كما تضمنت المخططات مشروعًا لتصنيع طائرات مسيّرة، وتجنيد عناصر داخل المملكة، وإخضاعهم لتدريبات داخل الأردن وخارجه، في تطور اعتبرته الجهات الأمنية تجاوزًا خطيرًا لكل الخطوط الحمراء.

ولم تكن هذه الحادثة الأولى التي تُربط فيها الجماعة بأنشطة إرهابية، إذ سبق أن أثار أربعة نواب من حزب جبهة العمل الإسلامي جدلًا واسعًا عندما أشادوا بالإرهابي العراقي أبو مصعب الزرقاوي، أحد أبرز قادة تنظيم القاعدة، رغم أن غالبية الأردنيين كانوا يصنفونه إرهابيًا.

سجل من المواجهات

في نوفمبر 2014، ألقت السلطات الأردنية القبض على 31 شخصًا بتهمة الانتماء إلى خلية مرتبطة بالإخوان، كانت متورطة في نقل أسلحة وأموال إلى عناصر إرهابية مشتبه بها في الضفة الغربية، كما وُجهت إليها اتهامات بتشكيل جناح مسلح سري داخل المملكة.

ومع تكرار هذه القضايا، تآكل أي تعاطف شعبي محتمل مع الجماعة، خصوصًا في مجتمع يضع الاستقرار والأمن في مقدمة أولوياته، ويعتبر المساس بهما خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.

وفي موقف لافت، وجّه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني انتقادًا مباشرًا لقيادات الإخوان، واصفًا إياهم بـ“الذئاب في ثياب حملان”، وذلك في مقابلة مع مجلة “أتلانتيك” عام 2013.

جذور تاريخية وتحولات

يعود الظهور الأول لجماعة الإخوان في الأردن إلى أربعينيات القرن الماضي، حين حصلت على ترخيص رسمي عام 1946 كجمعية خيرية تابعة للتنظيم الأم في مصر، قبل أن تمنحها الحكومة في عام 1953 ترخيصًا جديدًا للعمل كمنظمة دينية إسلامية.

ويؤكد السفير الأمريكي الأسبق في عمّان، إدوارد غنيم، في برقية دبلوماسية مؤرخة عام 2003، أن الجماعة تأسست عام 1945 كامتداد مباشر لجماعة الإخوان المصرية، مستفيدة من فترة حظر الأحزاب السياسية آنذاك لتكريس وجودها وبناء هياكلها التنظيمية.

وخلال العقود اللاحقة، عززت الجماعة نفوذها عبر السيطرة على جمعيات مهنية، وتنفيذ أنشطة اجتماعية وبرامج رعاية محدودة، إلى جانب جهود إعلامية دعوية.

وشكّل مطلع التسعينيات نقطة تحول مفصلية، حين أسست الجماعة ذراعها السياسية “جبهة العمل الإسلامي”، ودفعت بوجوه وُصفت بالمعتدلة في محاولة لتوسيع قاعدتها الشعبية. غير أن الانقسامات الداخلية، وصعود حركة حماس في فلسطين، سرعان ما أعادا الجماعة إلى مسار أكثر تشددًا، استمر حتى نهاية التسعينيات.

الهيكل والتمويل

تتكون الحركة الإسلامية في الأردن من جماعة الإخوان وحزب جبهة العمل الإسلامي، ولكل منهما قيادة مستقلة شكليًا، غير أنهما يخضعان فعليًا لمجلس شورى واحد يضم 50 عضوًا، يُنتخب معظمهم من الفروع المحلية، فيما يأتي آخرون من خارج المملكة أو بالتعيين.

وعلى مدى سنوات، استغلت الجماعة قضايا إقليمية حساسة، وعلى رأسها الصراع في غزة، لاستقطاب الشارع الأردني.

وفي ما يتعلق بالتمويل، أشار السفير الأمريكي السابق ديفيد هيل، في برقية دبلوماسية، إلى أن مؤسسات مرتبطة بالجماعة كانت تُقدّر أصولها بنحو 700 مليون دولار، ما وفر لها عمقًا ماليًا وتنظيميًا كبيرًا.

نهاية التنظيم

في عام 2020، أصدرت محكمة التمييز الأردنية حكمًا نهائيًا بحل جماعة الإخوان، لتصبح من الناحية القانونية كيانًا منحلًا. ومع ذلك، واصل حزب جبهة العمل الإسلامي نشاطه السياسي، بينما تراجعت هياكل الجماعة إلى الخلف.

لكن القرار الحكومي الصادر في أبريل الماضي، بحظر الجماعة بشكل كامل ومصادرة ممتلكاتها، أعقبه التصنيف الأمريكي، ليغلقا معًا فصلًا طويلًا من تاريخ الإخوان في الأردن، ويضعا حدًا نهائيًا لتنظيم فقد شرعيته السياسية، وانكشف وجهه الأمني، وسقط تحت وطأة الضربات المتتالية.

زر الذهاب إلى الأعلى