الشرق الأوسط

عودة ضخ الغاز من كورمور تربك حسابات المبتزين


أعادت حكومة إقليم كردستان العراق، السبت، تشغيل عمليات ضخ الغاز من حقل كورمور بعد أكثر من 48 ساعة على توقفه إثر الهجوم الذي استهدفه بطائرة مسيّرة مساء الأربعاء، في خطوة بدت بمثابة رد مباشر على الرسائل السياسية والأمنية التي حاولت الجهات المنفذة إيصالها عبر استهداف أحد أهم أصول الطاقة في الإقليم.
وكان الهجوم قد تسبب في انقطاع شامل لإمدادات الغاز المتجهة إلى محطات توليد الكهرباء، ما أدى إلى توقف ما يقارب 80 في المائة من الطاقة الكهربائية في الإقليم، وفق سلطات كردستان. وتشغّل شركة “دانة غاز” الإماراتية الحقل منذ سنوات، وقد أوضحت في تحديث رسمي على موقع سوق أبوظبي للأوراق المالية أن الضربة لم تكن مسيّرة فحسب، بل “هجوماً صاروخياً” أصاب خزّاناً للسوائل، من دون تسجيل إصابات بين العاملين.
وبحسب وكالة الأنباء العراقية، فإن إدارة الحقل شرعت السبت بضخ الغاز بصورة تجريبية، مؤكدة أن العودة التدريجية للإنتاج ستتواصل خلال الأيام المقبلة إلى أن تستعيد المنشأة عافيتها التشغيلية بشكل كامل. وترافق ذلك مع عودة التيار الكهربائي بشكل تدريجي بعد إعادة تزويد المحطات بالغاز.
ويأتي هذا الاستئناف السريع، رغم الأضرار التي لحقت بالحقل، كرسالة واضحة من أربيل بأنها قادرة على تجاوز تداعيات الهجوم ومنع تعطيل طويل الأمد لقطاع الطاقة الحيوي لديها، الذي يغذي أكثر من 75 في المائة من القدرة الكهربائية في الإقليم، بحسب بيانات الشركة المشغلة.
وأكّدت وزارة الكهرباء في الإقليم أن فرقها تعمل بوتيرة متواصلة لإعادة الطاقة إلى جميع المنازل والمتاجر والمصانع، بينما أعلنت الحكومة الاتحادية في بغداد تشكيل لجنة تحقيق للكشف عن الجهات المسؤولة عن الهجوم، واصفة الفاعلين بأنهم “جهات إرهابية تسعى لزعزعة استقرار البلاد”. وقد وصلت اللجنة، برئاسة وزير الداخلية عبد الأمير الشمري، إلى السليمانية الجمعة لبدء التحقيقات الميدانية.
من جهته، شدد رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني على ضرورة حصول الإقليم على دعم دفاعي من الولايات المتحدة وشركاء دوليين لحماية البنية التحتية المدنية في كردستان، داعياً الحكومة الاتحادية إلى بذل جهد أكبر في تعقّب المنفذين. ووصف بارزاني الهجوم بأنه “جبان” وجاء ضمن سلسلة اعتداءات متكررة على منشآت الطاقة في الإقليم.

الميليشيات المتهم الاول بالتورط في الهجوم على حقول الطاقة
الميليشيات المتهم الاول بالتورط في الهجوم على حقول الطاقة

وتعتبر الهجمات على كورمور ليست بجديدة، إذ شهد الحقل خلال السنوات الأخيرة ضربات متفرقة بالصواريخ والمسيّرات، كان آخرها مطلع فبراير حين استُهدف الحقل بمسيّرة لم تخلف أضراراً، بينما تسبب هجوم في نهاية أبريل 2024 بمقتل أربعة عمّال يمنيين. وفي يونيو ويوليو الماضيين شهد الإقليم هجمات مماثلة طالت حقولاً نفطية عدة، وألحقت أضراراً مادية واسعة من دون إعلان أي جهة مسؤوليتها.
ولا ينظر مراقبون للهجوم الأخير باعتباره حادثاً أمنياً تقنياً، بل كرسالة سياسية، جاءت في لحظة عراقية يطغى عليها التنافس داخل الإطار التنسيقي، والبحث عن توازنات جديدة في ظل الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة أو إعادة توزيع الأدوار داخلها. ويُقرأ استهداف منشأة ذات أهمية اقتصادية وثقل سياسي في هذا الإطار كجزء من محاولة بعض الفصائل المسلحة إظهار حضورها في مناطق خارج نطاق نفوذها التقليدي، والإيحاء بأنها قادرة على التأثير في معادلات السلطة من أربيل حتى بغداد.
كما يستهدف الهجوم، وفق تقديرات محلية، إضعاف ما يُعدّ أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية لإقليم كردستان، إضافة إلى الضغط على حكومة أربيل في ملفي التفاوض مع بغداد وتسليم الإيرادات النفطية. وتشير الاتهامات التي وُجهت إلى فصائل شيعية إلى أن الهدف يتجاوز إلحاق الضرر بالحقل ذاته، ليصل إلى تكريس انطباع بأن أي تعاون اقتصادي بين الإقليم والجهات الدولية يحتاج إلى “موافقة أمنية” من القوى المسلحة الأكثر تأثيراً في المشهد العراقي.
ويتقاطع الهجوم أيضاً مع سياق إقليمي مشحون يرتبط بالتوتّر بين إيران والولايات المتحدة، إضافة إلى تنافس إيراني–تركي–أميركي على ملف الطاقة الكردي. فالحقل الذي تديره شركة إماراتية وتحظى بنيته التحتية باهتمام دولي، يشكل نقطة تماس حساسة بين مصالح إقليمية متداخلة. ومن ثم فإن استهدافه يحمل رسالة مزدوجة موجهة إلى أربيل من جهة، وإلى الحلفاء الغربيين من جهة أخرى، مفادها أن خطوط الطاقة في الإقليم ليست بمنأى عن التعطيل.
وبينما تتواصل التحقيقات، يُقرأ استئناف ضخ الغاز بسرعة كسلوك سياسي مقصود يرمي إلى تفويت الفرصة على الجهات المنفذة، وإظهار قدرة حكومة الإقليم على احتواء الضربة وإحباط الرسائل المصاحبة لها. بذلك، تحاول أربيل تأكيد أن استهداف منشآتها الحيوية لن يتحول إلى أداة ضغط مستدامة، وأن معادلة الأمن والطاقة في الإقليم ستظل قائمة على الرد التشغيلي السريع، لا على ردود الفعل التي تمنح الفاعلين هامش تأثير أطول.

زر الذهاب إلى الأعلى