مصر تنشر طائرات مسيرة على الحدود السودانية وتصعد حدة التوتر في الحرب الأهلية
في خطوة أثارت اهتمام المحللين الدوليين، أعلنت مصادر إقليمية عن نشر مصر للطائرات المسيرة على الحدود مع السودان، في تصعيد واضح لتوترات الحرب الأهلية السودانية المستمرة منذ سنوات. يأتي هذا التحرك في وقت حساس من الصراع، حيث تتنافس فصائل متعددة على السيطرة على مناطق استراتيجية، وتتصاعد المخاوف من توسع دائرة العنف وتأزم الوضع الإنساني في البلاد.
وأكدت مصادر محلية وعسكرية أن مصر بدأت بالفعل نشر طائرات مسيرة على طول الشريط الحدودي بين البلدين، في محاولة لتعزيز مراقبة التحركات المسلحة وللحيلولة دون تسلل الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود. وتشير التقديرات إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن سياسة مصرية تهدف إلى حماية مصالحها الأمنية، خصوصًا في ظل استمرار النزاع بين القوات الحكومية السودانية والفصائل المسلحة المختلفة، بما فيها الجيش الوطني وجماعات مسلحة محلية وإقليمية.

ويرى مراقبون أن استخدام الطائرات المسيرة يمثل تحولًا نوعيًا في شكل التدخلات الخارجية في الحرب السودانية، إذ يتيح لمصر متابعة تحركات القوات في الوقت الفعلي دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر على الأرض، ما يقلل من المخاطر المباشرة على قواتها، لكنه قد يزيد من التوترات ويثير ردود فعل قوية من الفصائل السودانية، التي تعتبر أي تدخل أجنبي تهديدًا لاستقلالية البلاد.
ومن الناحية التقنية، تشير التقارير إلى أن الطائرات المسيرة المصرية مزودة بأحدث تقنيات المراقبة والاستطلاع، بما يسمح بتتبع تحركات الجماعات المسلحة ومراقبة خطوط الإمداد عبر الحدود. ويأتي هذا التحرك في أعقاب تحركات مماثلة من دول إقليمية أخرى، تعكس حالة الاستقطاب والتنافس الإقليمي حول السودان، الذي يظل موقعًا استراتيجيًا في شمال شرق إفريقيا، على مقربة من البحر الأحمر وممرات التجارة الدولية الحيوية.
وكانت مصر قد أكدت في بيانات سابقة أن نشر الطائرات المسيرة لا يهدف إلى التدخل المباشر في الصراع، بل لضمان أمن حدودها ومنع تهريب الأسلحة والمقاتلين. ومع ذلك، يرى محللون أن أي نشاط عسكري على الحدود قد يفسره طرفا النزاع على أنه تدخل مباشر، ما قد يؤدي إلى مواجهة مسلحة أو تصعيد عسكري في المناطق الحدودية.
ويشير مسؤولون سودانيون إلى أن الفصائل المسلحة في مناطق دارفور وجنوب كردفان تعتبر الحدود مع مصر مناطق حيوية لخطوط الإمداد، وأن أي مراقبة دقيقة من قبل طائرات مسيرة قد تعقد عملياتها، ما يزيد من احتمالات وقوع صدامات أو هجمات انتقامية. وأوضحوا أن الجيش السوداني قد يضطر إلى إعادة توزيع قواته على طول الحدود، الأمر الذي قد يفتح فجوات في مناطق أخرى، ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني الداخلي.
كما يسلط مراقبون الضوء على التداعيات الإنسانية لهذا التحرك، خصوصًا مع وجود ملايين المدنيين في مناطق النزاع. يقول خبراء إن أي تصعيد عسكري على الحدود قد يؤدي إلى نزوح جماعي لسكان القرى الحدودية، وزيادة الضغط على المخيمات والمناطق الآمنة، التي تعاني بالفعل من نقص الموارد والمساعدات الإنسانية. ويضيفون أن انتشار الطائرات المسيرة قد يضاعف المخاطر على المدنيين، سواء نتيجة للاستهداف المباشر أو لانزلاق النزاع نحو مناطق جديدة.
على المستوى الإقليمي، أثارت خطوة مصر مخاوف بين بعض الدول الأفريقية والدول العربية، التي ترى أن أي تدخل مباشر أو مراقبة عسكرية للحدود السودانية يمكن أن يؤدي إلى تصعيد أوسع للصراع، وربما إلى مواجهة بين القوى الإقليمية المختلفة، كل منها يسعى لتعزيز نفوذه في السودان. وقد حذر خبراء من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى سباق تسلح جديد على الحدود، يشمل نشر طائرات مسيرة إضافية من دول أخرى، ما يزيد من تعقيد الصراع وعدم استقراره.
وعلى الرغم من هذه المخاوف، يرى محللون أن مصر تسعى عبر هذه الخطوة إلى فرض رقابة على الحدود من دون الانخراط المباشر في الحرب، وهو ما يعكس توجهًا استراتيجيًا يعتمد على التكنولوجيا العسكرية الحديثة كأداة للسيطرة على الوضع دون تكبد خسائر بشرية مباشرة. لكنهم يشددون على أن هذا التوجه يحمل مخاطرة كبيرة، إذ أن أي خطأ في تقدير الموقف أو أي حادث غير مقصود قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة، ما قد يجر المنطقة بأكملها نحو مزيد من العنف.
وتجدر الإشارة إلى أن الصراع في السودان لم يعد مجرد نزاع داخلي بين الحكومة والفصائل المسلحة، بل أصبح ساحة لتنافس دولي وإقليمي، حيث تسعى كل دولة لتعزيز مصالحها الاستراتيجية، سواء عبر دعم فصائل معينة، أو مراقبة خطوط الإمداد، أو حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية على الحدود. وفي هذا السياق، يبدو نشر مصر للطائرات المسيرة جزءًا من هذا النسق الأوسع، الذي يعكس التوترات المتنامية حول السودان كمركز للنفوذ الإقليمي.
في الختام، يظل الوضع على الحدود السودانية المصرية حساسًا للغاية، إذ أن أي تصعيد عسكري، حتى إذا كان عبر الطائرات المسيرة فقط، يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات السريعة بين الفصائل السودانية والدول الإقليمية، مع انعكاسات محتملة على المدنيين والمساعدات الإنسانية. ومع استمرار الحرب الأهلية، يبقى السؤال المطروح حول قدرة جميع الأطراف على إدارة الحدود بشكل يضمن الأمن دون أن يتحول التدخل الخارجي إلى عامل يزيد من اشتعال النزاع.
