مقترح جيوسياسي لافت.. سوريا كخيار بديل لممر هرمز
في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز على وقع الحرب مع إيران وما خلفه من تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي، عاد الحديث في الأوساط السياسية والاقتصادية عن مسارات بديلة لنقل الطاقة، من بينها طرح يعتبر سوريا خياراً محتملاً في المستقبل. وفي هذا السياق، أشار المبعوث الأميركي توم براك إلى أن الأراضي السورية قد تتحول إلى نقطة عبور لخطوط أنابيب تربط مناطق إنتاج الطاقة بأسواق الاستهلاك، في حال توفرت الظروف الملائمة لذلك.
وخلال مشاركته في فعالية اقتصادية حول الطاقة عُقدت في واشنطن، أوضح براك أن الفكرة ليست جديدة بالكامل، إذ تعود إلى تصورات سابقة كانت تهدف إلى تحويل سوريا إلى محور جغرافي يربط بين الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الطاقة الدولية.
وفي جانب آخر، لفت المسؤول الأميركي إلى أن ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة يمثل أحد أبرز التحديات المطروحة، معتبراً أن بإمكان الولايات المتحدة لعب دور داعم في هذا الاتجاه. وبيّن أن التعاون القائم في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم داعش يشكل خطوة أولية، رغم استمرار إشكاليات مرتبطة بالتوازنات الداخلية والتنوع المجتمعي.
وفي تقييمه للوضع الداخلي، اعتبر براك أن سوريا تشهد مستوى من الاستقرار النسبي مقارنة بمراحل سابقة، مشيراً إلى أن التحولات التي طرأت خلال الفترة الأخيرة فتحت الباب أمام التفكير في مرحلة جديدة قائمة على استثمار الفرص الاقتصادية. كما أشار إلى أن القيادة الحالية، برئاسة أحمد الشرع، تحاول الاستفادة من تجارب دول أخرى مثل العراق وليبيا، خاصة فيما يتعلق بتجنب أخطاء إقصاء مؤسسات الدولة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضح براك أن تخفيف العقوبات المفروضة على دمشق، بما في ذلك تراجع تأثير ما يُعرف بـقانون قيصر، قد يفتح المجال أمام إصلاحات مالية ومصرفية أوسع. وأشار إلى خطوات يجري العمل عليها، مثل إعادة تفعيل قنوات مالية دولية، وإصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية، بما يهدف إلى تهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز الذي يمر منه 20 في المائة من امدادات الطاقة العلمية بفعل المواجهة مع إيران، عاد إلى الواجهة الحديث عن بدائل محتملة لنقل الطاقة، من بينها طرح قديم متجدد يتمثل في إمكانية توظيف موقع سوريا كممر بديل نحو الأسواق الأوروبية. ورغم أن هذا السيناريو لا يزال بعيداً عن التطبيق، إلا أن تداوله يعكس حجم القلق العالمي بشأن أمن إمدادات النفط والغاز.
وتستند هذه الفكرة بالأساس والتي أعاد طرحها براك بسبب الحرب على ايران وما تبعه من اعلاق مضيق هرمز الاستراتيجي إلى الموقع الجغرافي لسوريا، التي تطل على البحر المتوسط، ما يمنحها من الناحية النظرية أهمية في أي مشروع يهدف إلى تجاوز طرق التصدير التقليدية عبر الخليج. هذا الامتداد الساحلي يضعها ضمن التصورات الاستراتيجية لربط موارد الطاقة في الشرق الأوسط بالأسواق الأوروبية دون المرور بالممرات البحرية الحساسة.

وليس هذا الطرح جديداً، إذ شهدت السنوات الماضية تداول عدة مشاريع لمد خطوط أنابيب عبر الأراضي السورية. من أبرزها مشروع روجه له النظيم السوري السابق لنقل الغاز من إيران مروراً بـالعراق وصولاً إلى الساحل السوري، إلى جانب مقترحات أخرى لنقل نفط الخليج عبر السعودية أو الإمارات العربية المتحدة ثم عبر الأردن إلى المتوسط. غير أن هذه المشاريع بقيت حبراً على ورق، بفعل تعقيدات سياسية وأمنية ومالية حالت دون تنفيذها.
وتبرز أمام السيناريو الذي طرحه براك جملة من التحديات الجوهرية، في مقدمتها استمرار الاضطراب الأمني داخل سوريا، ما يجعل أي استثمارات كبرى في قطاع الطاقة محفوفة بالمخاطر. كما تشكل بعض العقوبات الدولية والعراقيل المفروضة على دمشق رغم رفع الكثير منها بعد سقوط نظام الاسد عائقاً رئيسياً أمام تمويل مشاريع عابرة للحدود، فضلاً عن الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، والذي يتطلب سنوات من إعادة الإعمار قبل التفكير في تحويل البلاد إلى ممر طاقة موثوق.
إلى جانب ذلك، تزيد التعقيدات الجيوسياسية، في ظل تعدد القوى الفاعلة على الأرض السورية، من صعوبة التوصل إلى توافقات إقليمية ودولية تتيح تنفيذ مشاريع استراتيجية بهذا الحجم. وعليه، يبقى الحديث عن سوريا كبديل لمضيق هرمز أقرب إلى الطرح النظري، في انتظار تحولات عميقة في المشهدين السياسي والأمني.
