في خطوة تُعد من أكثر الإجراءات صرامة، شددت الولايات المتحدة الخناق على فرع جماعة الإخوان المسلمين في لبنان، بعد إدراجه على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهو تصنيف يجعل أي دعم مادي أو لوجستي له جريمة جنائية يعاقب عليها القانون الأمريكي.
والثلاثاء، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف ثلاثة فروع تابعة للإخوان المسلمين في الشرق الأوسط كمنظمات إرهابية، وفرضت حزمة عقوبات مشددة عليها وعلى قياداتها وأعضائها.
وبينما وضعت وزارة الخارجية الأمريكية الفرع اللبناني للجماعة على قائمة “المنظمات الإرهابية الأجنبية” – وهو أشد التصنيفات القانونية – أدرجت وزارة الخزانة الفرعين الأردني والمصري ضمن قائمة “المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة خصيصًا”، على خلفية دعمهما المباشر لحركة حماس.
وأعاد القرار الأمريكي تسليط الضوء على كيان لطالما تحرك في الظل داخل الساحة اللبنانية، هو “الجماعة الإسلامية”.
من هي الجماعة الإسلامية في لبنان؟
تُعد الجماعة الإسلامية الامتداد اللبناني لتنظيم الإخوان المسلمين، وقد تأسست عام 1964 كفرع محلي للجماعة في البلاد. ومنذ نشأتها، التزمت بخطاب وتحالفات تتماهى إلى حد بعيد مع فروع الإخوان في المنطقة، ما جعلها جزءًا من الشبكة الإخوانية العابرة للحدود، وفق توصيف معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
وعلى الرغم من تاريخها الطويل، لا تتمتع الجماعة اليوم بثقل سياسي وازن، إذ لا يمثلها في البرلمان اللبناني سوى نائب واحد من أصل 27 نائبًا سنيًا في مجلس النواب المؤلف من 128 مقعدًا. غير أن حضورها الميداني يتركز في مناطق ذات غالبية سنية، ولا سيما القرى الحدودية.
ويرى باحثون أن الفراغ السياسي والاجتماعي الذي يعانيه الشارع السني منذ سنوات، إلى جانب الانهيار الاقتصادي الحاد، وفّر بيئة سمحت للجماعة بتوسيع هامش تحركها، رغم أن غالبية السنة اللبنانيين لم تنخرط بعد في مشروعها التعبوي.
تقاطع المصالح مع حزب الله وحماس
شهدت الجماعة تحولات لافتة في توجهاتها خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد انتخابات داخلية جرت عام 2022، أفضت إلى صعود قيادة أكثر قربًا من حركة حماس، التي تشترك معها في المرجعية الإخوانية التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928.
وقد اعترف الأمين العام للجماعة الإسلامية، محمد طقوش، في مقابلة سابقة مع وكالة “أسوشيتد برس”، بوجود تنسيق وثيق مع حزب الله، مؤكدًا أن الجماعة تتخذ قراراتها ميدانيًا لكنها تعمل ضمن إطار تنسيقي مشترك.
وأشار طقوش إلى أن جزءًا من العمليات ضد القوات الإسرائيلية نُفذ بالتنسيق مع حماس، التي بدورها تنسق مع حزب الله، معتبرًا أن التعاون مع الحركة الفلسطينية “شرف”، على حد تعبيره.
جناح مسلح ودور وظيفي
لا يقتصر نشاط الجماعة الإسلامية على العمل السياسي والدعوي، إذ تمتلك جناحًا عسكريًا يُعرف باسم “قوات الفجر”، يضم نحو 500 عنصر مسلح. وشارك هذا الجناح في عمليات عسكرية ضد إسرائيل بالتنسيق مع حزب الله، ما يضع الجماعة ضمن منظومة “محور المقاومة” المدعوم من إيران.
وبرزت مؤشرات إعادة تنشيط “قوات الفجر” في 18 أكتوبر 2023، عندما أعلنت تنفيذ هجوم على شمال إسرائيل ردًا على غارات استهدفت جنوب لبنان، قبل أن تتبعه بهجمات أخرى طالت مناطق من بينها كريات شمونة.
ويرى معهد واشنطن أن أهمية الجماعة لا تكمن في قدراتها العسكرية المحدودة، بل في دورها الوظيفي ضمن تحالف أوسع تقوده حماس وحزب الله، حيث توفر غطاءً لبنانيًا وحضورًا داخل المجتمع السني، الذي يعاني غياب القيادة منذ انسحاب رئيس الوزراء السابق سعد الحريري من الحياة السياسية عام 2019.
وفي مايو 2024، أثار تشييع الجماعة لاثنين من قيادييها الذين قُتلوا في غارة إسرائيلية جدلًا واسعًا، بعد تنظيم استعراض عسكري مسلح في بلدة ببنين بمحافظة عكار شمالي البلاد، ما قوبل بانتقادات شعبية وتحذيرات سياسية من تداعياته.
تداعيات القرار الأمريكي
مع دخول قرار التصنيف حيز التنفيذ، تواجه الجماعة الإسلامية وشركاؤها تداعيات قاسية، تشمل تجميد أي أصول أو ممتلكات محتملة داخل الولايات المتحدة، وفرض عقوبات مالية صارمة على كل من يثبت تعامله معها.
كما يُجرّم القرار تقديم أي شكل من أشكال الدعم المادي أو التقني للجماعة، ما يحظر على الأفراد والمؤسسات والشركات الأمريكية التعامل معها، في خطوة تهدف إلى تجفيف منابع تمويلها وشل قدرتها على الحركة داخل لبنان وخارجه.
وبذلك، تكون واشنطن قد وجهت ضربة مباشرة لأحد أذرع الإخوان في المنطقة، ضمن مسعى أوسع لتفكيك شبكاتهم الإقليمية وتقويض أدوارهم السياسية والعسكرية.
