لم يكن نشر التسجيل الصوتي المنسوب لمحمد سيد أحمد الجاكومي مجرد حادثة إعلامية عابرة، بل شكّل لحظة كاشفة لطبيعة الصراع الحقيقي داخل السلطة السودانية. فالتسجيل، الذي خرج إلى العلن في توقيت بالغ الحساسية، أسقط الكثير من الروايات الرسمية، وأظهر أن ما يجري خلف الكواليس أخطر بكثير مما يُعلن. وأن الانقسامات داخل القيادة وصلت إلى مرحلة يصعب معها التستر.
-
عزل مناوي يكشف الصراع الخفي داخل الحكم السوداني
-
إقصاء مناوي من المشهد يكشف عمق الأزمة داخل السلطة السودانية
من خلال مضمون التسجيل، برز خطاب يعكس عقلية تنظيمية مغلقة. تقوم على تصنيف الخصوم والحلفاء، وتقديم الولاء الأيديولوجي على أي اعتبار وطني. هذا الخطاب، الذي ارتبط تاريخيًا بالتيار الإخواني، أعاد إلى الواجهة المخاوف القديمة من استمرار سيطرة هذا التيار على مفاصل القرار، رغم كل ما شهده السودان من ثورات وانتفاضات ضد هذا النهج.
ردود الفعل التي أعقبت نشر التسجيل لم تترك مجالًا للشك في أن الجاكومي بات في موقع ضعيف. فبدل الدفاع العلني عنه، ساد الصمت أو التبرؤ الضمني. ما يعكس وجود توافق داخلي على التضحية به لتخفيف الضغط. هذا السلوك يؤكد أن الصراع داخل القيادة ليس صراع مبادئ، بل صراع مواقع، حيث يُقصى من يتحول إلى عبء، مهما كان موقعه السابق.
-
داخل كواليس القيادة السودانية: استقصاء تغييرات الجيش ومجلس السيادة
-
إعادة ترتيب السلطة في بورتسودان: تسريب يكشف كواليس القرار
في موازاة ذلك، يتصاعد الحديث عن إقصاء مرتقب لجبريل إبراهيم. الذي يواجه بدوره تآكلًا في رصيده السياسي. فجبريل، الذي ارتبط اسمه بملفات اقتصادية شائكة وتحالفات مثيرة للجدل، أصبح رمزًا لفشل إدارة المرحلة. كما أصبح جزءًا من صورة أوسع لهيمنة قيادات ذات خلفية إخوانية على القرار، دون تقديم حلول حقيقية للأزمة.
ما يجمع بين مصير الجاكومي وجبريل هو أنهما نتاج منظومة واحدة، اعتمدت لسنوات على إعادة تدوير الوجوه داخل الإطار ذاته، مع تغيير الأدوار لا السياسات. هذه المنظومة، التي قامت على التغلغل الإخواني داخل الدولة. تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي، مع تصاعد الوعي الشعبي، وتراجع القدرة على التحكم في المشهد عبر الخطاب أو القمع.
-
حين تختزل الدولة في البندقية: كيف يقود الإصرار العسكري السودان نحو مأزق وجودي
-
رئيس حزب الأمة السوداني: الجيش سيسلم السلطة حال الخروج من الأزمة
الانشقاقات التي فجّرها التسجيل ليست جديدة في جوهرها. لكنها المرة الأولى التي تظهر بهذا الوضوح. فالصراع بين الأجنحة الإخوانية ظل قائمًا منذ سنوات، لكنه كان يُدار في الخفاء. اليوم، ومع ضعف المركز، خرجت هذه الصراعات إلى العلن. لتكشف هشاشة التحالفات، وانعدام الثقة بين القيادات نفسها.
الشارع السوداني يراقب هذه التطورات بقدر كبير من الريبة، مدركًا أن تغيير الأشخاص لا يعني بالضرورة تغيير السياسات. فالتجارب السابقة علمته أن الإقصاء غالبًا ما يكون إعادة ترتيب داخلية، لا استجابة حقيقية لمطالب الإصلاح. لذلك، فإن أي خطوة لعزل الجاكومي أو إبعاد جبريل ستُقاس بمدى ارتباطها بتفكيك النفوذ الإخواني، لا بمجرد امتصاص الغضب.
-
وهم الحسم العسكري: لماذا يدفع السودان ثمن غياب السياسة
-
هجليج تحت النار… وواشنطن تغير قواعد اللعبة: تحقيق يكشف أخطر مفترق طرق يعيشه السودان منذ اندلاع الحرب
في النهاية، يعكس التسجيل الصوتي وما تبعه من تداعيات أزمة بنيوية داخل القيادة السودانية، حيث يتداخل السياسي بالأيديولوجي، وتُدار الدولة بعقلية التنظيم لا بعقلية المؤسسات. ما لم يتم الاعتراف بهذه الحقيقة، سيظل السودان يدور في حلقة مفرغة من الصراعات، وستبقى كل تسريبات جديدة مجرد دليل إضافي على أن المشكلة أعمق من الأشخاص، وأخطر من أن تُحل بعزل فرد أو إقصاء اسم.
