حملات الترحيل القسري للاجئين السودانيين في مصر
لم تأتِ حملات الترحيل القسري للاجئين السودانيين من مصر بوصفها حوادث فردية أو استثناءات معزولة، بل تكشف مراجعة الشهادات والوقائع المتاحة عن نمط متكرر، له سمات واضحة، وإجراءات شبه ثابتة، ما يشير إلى سياسة غير معلنة أكثر من كونه سلوكًا عشوائيًا.
من خلال تتبع روايات عشرات الأسر السودانية، يتضح أن التوقيف غالبًا ما يتم في ثلاثة أماكن رئيسية: الشوارع العامة، أماكن العمل، والمساكن المستأجرة. في كثير من الحالات، لا يُقدَّم سبب واضح للتوقيف، ولا يُسمح للموقوفين بجمع متعلقاتهم الشخصية أو وثائقهم، بما في ذلك أوراق التسجيل لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
اللافت أن التوقيف لا يقتصر على أشخاص لا يحملون وضعًا قانونيًا واضحًا، بل يشمل أيضًا مسجلين فعليًا أو حاملي مواعيد مقابلات قريبة. هذا ما يعكس غياب أي آلية تحقق ميدانية من الوضع القانوني للأفراد، أو تجاهلًا متعمدًا لها. في بعض الحالات، جرى توقيف أطفال أثناء مرافقتهم لذويهم، رغم كونهم ملتحقين بمؤسسات تعليمية داخل مصر.
حملات الترحيل القسري للسودانيين من مصر طالت أسر بأكملها
ممارسات السلطات المصرية طالت أسرًا بأكملها، وشبابًا، وأطفالًا ملتحقين بالمؤسسات التعليمية، ما أدى إلى خلق حالة عامة من الذعر وانعدام الشعور بالأمان بين اللاجئين، وهم الذين اضطروا إلى مغادرة السودان أصلًا هربًا من الحرب… pic.twitter.com/F01R5OUdbS— Saheeh Sudan – صحيح السودان (@SaheehSudan) January 29, 2026
بعد التوقيف، يُنقل المحتجزون إلى مراكز احتجاز مؤقتة، غالبًا مكتظة، تفتقر إلى الشفافية بشأن المدة أو المصير. هنا تبدأ مرحلة الغموض. لا إخطارات رسمية، ولا محاضر واضحة، ولا إتاحة للتواصل مع محامين أو ممثلي المفوضية. هذا الفراغ الإجرائي يشكل أحد أخطر عناصر القضية، لأنه يحرم اللاجئ من أي وسيلة للطعن أو طلب الحماية.
مصادر متقاطعة تشير إلى أن مدة الاحتجاز قد تتراوح بين أيام وأسابيع، دون وجود معيار ثابت. في هذه الفترة، تعيش الأسر حالة من القلق الشديد، خاصة النساء والأطفال، في ظل ظروف احتجاز لا تراعي الاحتياجات الأساسية، سواء الصحية أو النفسية. بعض المحتجزين أشاروا إلى نقص الغذاء، وسوء التهوية، وغياب الرعاية الطبية.
المرحلة التالية هي الترحيل نفسه. غالبًا ما يتم إخطار المحتجزين قبل وقت قصير جدًا من نقلهم، دون تمكينهم من تقديم طلبات حماية أو مراجعة قانونية. في حالات عدة، لم يُسمح للأسر بالتواصل مع أقاربها أو استعادة مقتنياتها. يتم النقل في مجموعات، ما يعزز فرضية التعامل الجماعي مع الحالات بدل التقييم الفردي.
التحقيق في هذه الأنماط يطرح سؤالًا جوهريًا: من يتخذ القرار؟ لا توجد قرارات ترحيل مكتوبة تُسلَّم للمحتجزين، ولا مسارات طعن معروفة. هذا الغموض المؤسسي يجعل من الصعب تحديد المسؤولية القانونية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن خلل عميق في منظومة الحماية.
من خلال مقارنة الحالات، يظهر أن الترحيل لا يرتبط بسلوكيات محددة أو مخالفات جسيمة، بل أحيانًا بعوامل مثل انتهاء مدة إقامة، أو عدم حمل أوراق أثناء التوقيف، أو حتى الوجود في منطقة تخضع لحملة أمنية عامة. هذا التوسع في معايير الاشتباه يحوّل اللاجئ إلى هدف سهل في أي إجراء أمني واسع.
اللافت أيضًا أن الترحيل لا يراعي الفئات الأكثر هشاشة. لم تُسجَّل حالات استثناء واضحة للنساء الحوامل، أو كبار السن، أو الأطفال. هذا التجاهل يتناقض مع أبسط معايير الحماية الدولية، ويعزز الطابع القسري وغير الإنساني لهذه الإجراءات.
في المقابل، لا تتوفر أي مؤشرات على وجود تنسيق فعال ومنهجي مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين قبل تنفيذ الترحيل. بل تشير بعض الشهادات إلى أن محاولات التواصل مع المفوضية تمت بعد فوات الأوان، أو لم تُتح أصلًا. هذا الانفصال بين الجهات الأمنية وآليات الحماية الدولية يفرغ وجود المفوضية من مضمونه العملي.
الأثر النفسي لهذه السياسات لا يقل خطورة عن الترحيل نفسه. كثير من اللاجئين باتوا يعيشون في حالة ترقّب دائم، يتجنبون العمل الرسمي، أو التنقل، أو حتى إرسال أطفالهم إلى المدارس. هذا الانكفاء القسري يخلق مجتمعًا هامشيًا، يعمل في الظل، خارج أي إطار حماية أو رقابة صحية واجتماعية.
التحقيق يكشف أيضًا أن هذه الحملات لا تُعلن رسميًا، ولا تُبرَّر بخطاب واضح، ما يترك المجال مفتوحًا للشائعات والخوف. غياب الشفافية هنا ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا أساسيًا في صناعة الردع غير المعلن: حين لا يعرف اللاجئ القاعدة، يصبح كل شيء ممكنًا.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو حملات الترحيل كجزء من سياسة إدارة ضغط، تهدف إلى تقليص أعداد اللاجئين عبر التخويف، لا عبر إجراءات قانونية منظمة. سياسة قد تنجح في دفع البعض إلى المغادرة، لكنها في الوقت نفسه تُنتج انتهاكات جسيمة، وتعرّض أرواحًا حقيقية للخطر.
النتيجة التي يخلص إليها هذا التحقيق ليست فقط وجود انتهاكات، بل وجود نمط. والنمط، في العمل الحقوقي والاستقصائي، هو الدليل الأوضح على السياسة. سياسة تُدار في الظل، وتترك آثارها على أجساد ونفوس من لا صوت لهم.
