سياسة

أزمة داخلية تهز حزب العمال.. ستارمر تحت ضغط غير مسبوق


في مشهد لافت عكس حجم العاصفة السياسية التي تحيط به، بدا رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر شارد الذهن ومنعزلاً بين جماهير ملعب لكرة القدم، رغم الفوز الكبير لفريقه المفضل “أرسنال”.

لم يكن الانتصار الرياضي كافيًا لتخفيف وطأة أسبوع وُصف داخل حزب العمال بأنه من الأصعب في مسيرة ستارمر، بعدما تحولت فضيحة إعادة تعيين اللورد بيتر ماندلسون إلى اختبار وجودي لقيادة ستارمر، يهدد مستقبله السياسي برمته، بحسب صحيفة “التليغراف” البريطانية.

تفجّرت الأزمة مع تصاعد الجدل حول ماندلسون، المستشار المخضرم والمثير للجدل، على خلفية علاقاته السابقة برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين المتهم بجرائم جنسية، واحتمال خضوعه لتحقيقات شرطية بشأن تبادل معلومات حكومية حساسة.

ومع اتساع دائرة الانتقادات، بدأت الخلافات تظهر علنًا داخل الحكومة نفسها، حين نأى ديفيد لامي، نائب رئيس الوزراء، بنفسه عن قرار ستارمر، مؤكدًا أنه نصحه صراحة بعدم إعادة ماندلسون.

ولم يتوقف التحدي عند هذا الحد، بل اتخذ بُعدًا سياسيًا أعمق مع الظهور العلني لأنجيلا راينر وعمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام، وهما من أبرز خصوم ستارمر داخل الحزب.

هذا التقارب، الذي تجسد خلال حملة انتخابية فرعية، عُدّ إشارة واضحة إلى تشكل محور داخلي قد يشكل تهديدًا مباشرًا لزعامة رئيس الوزراء، خاصة في ظل ترحيب عدد من النواب بـ “استعراض القوة” ضد القيادة الحالية.

في الكواليس، تشير روايات مقربين من ستارمر إلى صراع داخلي حاد يعيشه رئيس الوزراء، متأرجحًا بين الغضب وتأنيب الذات؛ فقد اعترف، وفق هذه المصادر، بأنه صدّق رواية ماندلسون القائلة إنه “بالكاد يعرف” إبستين، دون التحقق الكافي، رغم توفر معلومات علنية تناقض هذا الادعاء.

ويقول أحد نواب حزب العمال المقرّبين منه إن ستارمر “محطّم تمامًا”، ويدرك أنه أخطأ حين سمح لرئيس ديوانه، مورغان ماكسويني، بإدارة ملف ماندلسون على هذا النحو.

هذا التململ الداخلي انعكس بوضوح في القاعدة الحزبية. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “سرفيشن” أن نحو ثلث أعضاء حزب العمال يطالبون باستقالة ستارمر بسبب القضية، بينما يرى أكثر من ثلاثة أرباعهم أن ماكسويني يجب أن يغادر منصبه فورًا.

وفي أروقة البرلمان، يسود ما يصفه نواب بـ“الاستياء المتزايد”، إذ قال أحدهم إن الحزب “في حالة فوضى”، منتقدًا إصرار رئيس الوزراء على الدفاع عن رئيس ديوانه، واعتبر ذلك “تجاهلًا كاملًا للواقع”.

وتصاعدت الدعوات العلنية للمساءلة، حيث وجّه النائب العمالي والناقد البارز كارل تيرنر إنذارًا صريحًا لستارمر، معتبرًا أن إقالة ماكسويني هي “الفرصة الأخيرة” لإنقاذ موقفه.

وحدد تيرنر نهاية فبراير/ شباط، عقب إعلان نتائج الانتخابات الفرعية، كموعد حاسم، محذرًا من أن الإبقاء على رئيس الديوان بعد ذلك سيجعل وضع رئيس الوزراء “غير قابل للاستمرار”.

ولم تقتصر الانتقادات على المعارضين التقليديين داخل الحزب، بل امتدت إلى شخصيات كانت تُعدّ قريبة من القيادة.

فقد رأت النائبة السابقة راشيل ماسكيل أن الحزب بحاجة إلى “المضي قدمًا” لاستعادة ثقة الناخبين، معتبرة أن بقاء ستارمر بات عبئًا.

وذهب النائب غراهام سترينجر إلى أبعد من ذلك، حين أعلن صراحة أن “أمر رئيس الوزراء قد انتهى”، منتقدًا أداء الحكومة والقرارات السياسية الأخيرة.

وحتى الموالون لستارمر لم يُخفوا قلقهم، فقد أقر النائب جاك أبوت بأن الأسبوع الماضي كان “الأكثر تحديًا” منذ تولي ستارمر رئاسة الحكومة، داعيًا إلى التركيز على السياسات بدل الانغماس في الصراعات الداخلية، في إقرار ضمني بعمق الأزمة.

وسط هذا المشهد المتأزم، شوهد ستارمر صباح السبت، وقد بدا عليه الإرهاق والحزن، في صورة فسّرها مراقبون على أنها بحث عن عزاء أو إرشاد في لحظة سياسية فارقة. فالصبر داخل الكتلة البرلمانية لحزب العمال يبدو أنه شارف على النفاد، ومع تجمّع الخصوم، وتراجع الحلفاء، وتزايد المطالب بتحمّل المسؤولية، يواجه رئيس الوزراء أخطر معركة في حياته السياسية.

وأمام ستارمر خياران لا ثالث لهما: إما التضحية برئيس ديوانه وتقديمه كـ“كبش فداء” في محاولة لاحتواء الغضب، أو مواجهة احتمال الاستقالة باعتبارها المخرج الوحيد من أزمة ثقة عميقة.

وبينما يترقب المشهد السياسي البريطاني ما ستسفر عنه الأيام القليلة المقبلة بشأن مصير ستارمر، يعتقد كثير من نواب حزب العمال أن مصير زعيمهم بات، إلى حد كبير، محسومًا.

زر الذهاب إلى الأعلى