سياسة

دريسدن بين النار والسياسة.. كيف مهّد القصف لولادة نظام دولي جديد؟


في مثل هذا اليوم قبل نحو 8 عقود، أمطر وابل من القنابل مدينة دريسدن الألمانية لتحمل تلك الغارات المكثفة التي شكلت لحظة مفصلية في تاريخ الحرب، رسالة ممهورة بالنار إلى موسكو.

ولا يزال قصف المدينة الذي نفّذته الطائرات البريطانية والأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديدا بالفترة الممتدة من 13 إلى 15 فبراير/شباط 1945، حدثا رهيبا مثيرا للجدل.

وبحسب موقع «روسيا اليوم»، شكلت تلك الغارات الجوية المكثفة، التي أُطلِق عليها اسم “كارثة دريسدن”، لحظة مفصلية في تاريخ الحرب، لا بسبب الدمار الهائل الذي خلّفته فحسب، بل أيضا بسبب الأسئلة العسكرية المعقدة التي أثارتها.

والهجوم العنيف الذي استخدم آلاف الأطنان من القنابل الحارقة وأسرابا ضخمة من القاذفات، أشعل عاصفة نارية التهمت قلب المدينة، وأسفر عن مقتل نحو 25 ألف شخص، وفق تقديرات رسمية.

كما أدى إلى تدمير أحد أهم المراكز الثقافية في أوروبا، والذي كان يعرف باسم «فلورنسا على نهر الإلبه».

في حينه، قالت أمريكا وبريطانيا إن الهدف من الغارات كان عرقلة حركة النقل الألمانية ومنع تعزيز القوات عبر هذه العقدة الحيوية، نظرا لأهمية دريسدن كمركز نقل استراتيجي يتجاوز في أهميته مدينتي برلين ولايبزيغ.

لكن باحثين ومحللين يرون أن القصف كان غير مبرر عسكريا، إذ لم تكن دريسدن، المدينة التاريخية، تحوي قوات ألمانية كبيرة أو مصانع ذخيرة رئيسية، وهو ما يفسّر عدم تعرّضها سابقا لغارات جوية كبرى وافتقارها لأنظمة دفاع جوي قوية.

وبحسب «روسيا اليوم»، أشارت بعض التحليلات إلى أن النتائج العسكرية المحدودة التي تحققت، كتعطيل حركة المرور لعدة أسابيع وإغلاق بعض الجسور الحيوية، كانت غير متناسبة إطلاقا مع الحجم الهائل للقوة المستخدمة والدمار المروع الذي أُحدث.

شهادة

وفي شهادته حول ما حدث، قال الكاتب الأمريكي الشهير كورت فونيغوت، الذي كان أسير حرب في المدينة آنذاك: “في الحرب بأكملها، لم يتم تحطيم زجاج واحد بالقصف”، في إشارة إلى غياب الأهداف العسكرية البارزة.

ونجا فونيغوت من الغارة بالاحتماء في قبو مصنع، ليعمل لاحقا في إزالة الأنقاض وانتشال الجثث، وهي التجربة المروعة التي جعلته من أبرز المنظرين الذين صنفوا الغارات كجريمة حرب بربرية.

من الناحية العسكرية، تكبد الحلفاء خسائر محدودة نسبيا في هذه الغارات، فقد خسر البريطانيون 8 طائرات لأسباب متنوعة تشمل الاصطدامات والأعطال والقليل من نيران الدفاع الجوي والمقاتلات الألمانية.

من جانبهم، خسر الأمريكيون 8 قاذفات و4 مقاتلات، في حصيلة خسائر تعتبر محدودة مقارنة بحجم القوة الجوية المشاركة، ما يطرح تساؤلات إضافية حول الهدف الحقيقي، وفق المصدر.

رسالة من نار

تشير أدلة قوية، خصوصا المذكرات التي وزعت على الطيارين البريطانيين قبل إقلاعهم في 13 فبراير/شباط من ذلك العام، إلى أن الغرض ربما لم يكن عسكريا محضا، بل كان “ضرب العدو في موضع ضعفه، وفي الوقت نفسه، إظهار قدرات سلاح الجو الملكي البريطاني للروس عند وصولهم إلى المدينة”.

وهذا الطرح -وفق روسيا اليوم، يحول الحدث من عملية عسكرية تقليدية إلى استعراض متعمّد للقوة والقدرة التدميرية المطلقة، ويوجه رسالة سياسية وعسكرية مبكرة إلى الحليف السوفياتي وقتها، في إطار بداية عالم ما بعد الحرب.

ويظل قصف دريسدن أكثر من مجرد حادث مأساوي في سجلات الحرب، ويشكل نقطة التقاء مثيرة للقلق بين الاستراتيجية العسكرية والسياسات الدولية، وفق قراءات لمؤرخين.

زر الذهاب إلى الأعلى