على حافة التصعيد.. مخاوف من مواجهة واسعة بين باكستان وأفغانستان
تخوض إسلام آباد، التي اعتُبرت لفترة طويلة داعمة لطالبان، أعنف معارك ضد الحركة، التي وصفها وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، اليوم الجمعة، بأنها “حرب مفتوحة”.
يعني هذا أن مساحة واسعة من آسيا، تمتد من الخليج إلى جبال الهيمالايا، تشهد حالياً حالة من عدم الاستقرار، حيث تحشد الولايات المتحدة قطعاً عسكرية قرب إيران، في وقت لا تزال فيه العلاقات بين باكستان والهند متوترة بعد اشتباك استمر أربعة أيام في مايو/أيار.
بعد أسابيع من هجوم خاطف لحركة طالبان في 2021 انتزع السيطرة على أفغانستان من يد تحالف بقيادة الولايات المتحدة، توجه رئيس المخابرات الباكستانية آنذاك إلى العاصمة كابول لإجراء محادثات، حيث قال لأحد الصحفيين “لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام”.
ويتلخص جوهر الخلاف الأساسي مع أفغانستان في اتهام باكستان لحركة طالبان الأفغانية بتقديم الدعم لجماعات مسلحة، بما في ذلك حركة طالبان باكستان التي أحدثت دماراً واسعاً في الدولة الواقعة في جنوب آسيا.
وتنفي الحركة، التي سبق لها القتال إلى جانب حركة طالبان باكستان، هذا الاتهام؛ مؤكدة أن الوضع الأمني في باكستان شأن داخلي.
ويقول محللون إن هذا الخلاف يعكس تباياً صارخاً في مواقف الطرفين، إذ توقعت باكستان الامتثال بعد عقود من دعم طالبان، التي لا تعتبر نفسها مدينة بأي شيء لإسلام آباد. وقالت جينيفر بريك مورتازاشفيلي، خبيرة العلوم السياسية في جامعة “بيتسبرغ” والمختصة في شؤون أفغانستان “لم يجرِ أي من الطرفين محادثة صريحة حول الشكل الذي ستبدو عليه العلاقة في الواقع. كان سوء الفهم الأساسي هو الأصل الذي ترتب عليه كل ذلك”.
ورغم استمرار التوتر على الحدود بين البلدين الممتدة لمسافة نحو 2600 كيلومتر منذ عدة أشهر بعد اشتباكات وقعت في أكتوبر/تشرين الأول، يشكل اشتباك اليوم الجمعة تطوراً لافتاً نظراً لاستخدام باكستان طائرات حربية لضرب مواقع عسكرية تابعة لحركة طالبان، بدلاً من اقتصار الهجمات على مسلحين تقول إن أفغانستان تؤويهم.
وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني، اللفتنانت جنرال أحمد شريف تشودري، إن هذا شمل أهدافاً في عمق البلاد في العاصمة كابول، بالإضافة إلى مدينة قندهار جنوب أفغانستان؛ مقر زعيم طالبان الأعلى هبة الله آخندزاده. ومن غير المرجح أن تتوقف الاشتباكات عند هذا الحد. ويقول عبدالباسط، وهو خبير في شؤون التطرف في كلية “إس. راجاراتنام” للدراسات الدولية في سنغافورة “نحن في مساحة مجهولة… ما نشهده هو وصفة للاضطرابات، ونتيجة لذلك سيكون هناك المزيد من العنف، والمزيد من التوتر. وستكتسب الجماعات الإرهابية قوة من خلال استغلال الفوضى”.
“سيناريو كابوسي” لباكستان
تمتلك باكستان، المسلحة نووياً، جيشاً ضخماً قوامه 660 ألف جندي، مدعوماً بـ465 طائرة مقاتلة، وآلاف المركبات القتالية المدرعة، وقطع المدفعية. وعلى الجانب الآخر من الحدود، لا تملك طالبان الأفغانية سوى نحو 172 ألف جندي، وعدد قليل من المركبات المدرعة، ودون قوة جوية حقيقية. إلا أن هذه الحركة المتمرسة، التي واجهت جيشاً غربياً جراراً في 2001 وظلت صامدة أمامه، لديها خيار الاعتماد على جماعات متمردة مثل حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان، متجاوزة بذلك نطاق المناوشات الحدودية.
وقال أفيناش باليوال، المحاضر في العلاقات الدولية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) في جامعة لندن “إذن؛ إما أن تتراجع حركة طالبان خطوة إلى الوراء عن حافة الهاوية، أو يمكنها المضي قدماً ومواصلة القتال على الحدود، ولكن أيضاً مع زيادة الدعم لحركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان وجميع الجماعات الأخرى للعمل داخل باكستان”.
وتتهم باكستان الهند منذ فترة طويلة بدعم المتمردين، وهو اتهام نفته نيودلهي مراراً لكنها احتفظت بانتشار عسكري قوي على الحدود منذ مايو/أيار. وترى الدبلوماسية الباكستانية السابقة مليحة لودهي أن “وضعاً متأزماً على جبهتين هو بمثابة سيناريو كابوسي بالنسبة لباكستان”. وأضافت “بالنسبة لإسلام آباد، يفاقم استمرار تدهور العلاقات (مع أفغانستان) التحدي الأمني الذي تواجهه، نظراً للوضع غير المستقر على الحدود الشرقية مع الهند”.
ورغم إبداء دول ذات نفوذ منها الصين وروسيا وتركيا وقطر استعدادها للمساعدة في التوسط في النزاع، إلا أن كل هذه الجهود لم تحقق سوى نجاح محدود حتى الآن. وفي سياق متصل، قالت حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان، اليوم الجمعة، إنها مستعدة للتفاوض بعد شن باكستان هجمات على قوات أفغانية في مدن رئيسية، مما أسفر عن مقتل عشرات الجنود في أخطر اشتباكات بين البلدين.
وتعرضت أهداف في العاصمة الأفغانية كابول ومدينة قندهار، حيث يتمركز قادة طالبان، للقصف؛ في إشارة إلى وصول الخلاف بين الدولتين لدرجة الاحتدام. وأظهر مقطع فيديو تمكنت رويترز من التحقق منه أعمدة دخان أسود كثيف تتصاعد من موقعين في كابول وحريقاً مهولاً.
وقال سائق سيارة أجرة في كابول يدعى تميم “جاءت الطائرة وألقت قنبلتين ثم غادرت مرة أخرى. بعد ذلك سمعنا انفجارات… هرع الجميع في حالة ذعر إلى أسفل من الطابق الثاني في المنزل. وواصلت الذخيرة داخل المستودع الانفجار من تلقاء نفسها”.
وذكرت مصادر أمنية في باكستان أن الهجمات شملت صواريخ جو-أرض على مقرات ومواقع عسكرية لطالبان رداً على هجمات أفغانية وقعت الخميس. وقالت حركة طالبان إن القوات الأفغانية استخدمت طائرات مسيرة لقصف أهداف عسكرية باكستانية، فيما قالت إسلام آباد إن الدفاعات الجوية أسقطت كل الطائرات المسيرة دون وقوع أضرار.
وأشارت تقارير إلى وقوع عدة اشتباكات على الحدود؛ حيث قالت باكستان إنها قتلت 274 من مسؤولي طالبان ومقاتليها، بينما قالت أفغانستان إنها قتلت 55 جندياً باكستانياً. وقال شهود من رويترز في كابول إن صفارات العديد من سيارات الإسعاف دوت بعد انفجارات وتحليق مقاتلات.
