صواريخ على عنابر الأطفال والولادة: ماذا حدث داخل مستشفى الضعين ليلة العيد؟
كانت مدينة الضعين في ذلك المساء تستعد لليلة عيد مختلفة عن كل الأعوام السابقة. الشوارع التي ازدحمت خلال النهار بملابس العيد والأطفال الذين يركضون بين البيوت كانت تستعيد هدوءها مع اقتراب الليل، فيما كانت العائلات تجتمع حول موائد العيد بعد شهر كامل من الصيام. لكن هذا المشهد الاجتماعي البسيط لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما اخترق صمت المدينة صوت انفجار عنيف تبعه انفجاران آخران. خلال دقائق قليلة فقط، تحول مستشفى الضعين التعليمي من منشأة يفترض أن تكون ملاذاً للمرضى والنساء الحوامل والأطفال إلى مسرح كارثة إنسانية ستظل محفورة في ذاكرة المدينة لسنوات طويلة.

الهجوم الذي استهدف المستشفى تم عبر طائرة مسيّرة أطلقت ثلاثة صواريخ أصابت بشكل مباشر أقساماً حيوية داخل المبنى. الضربة الأولى أصابت عنبر الأطفال، وهو القسم الذي يضم عادة المرضى الأكثر ضعفاً. الضربة الثانية طالت عنبر النساء والولادة حيث كانت توجد سيدات حوامل ومريضات تحت المراقبة الطبية. أما الضربة الثالثة فقد سقطت على مبنى الحوادث الذي يمثل خط الدفاع الأول في المستشفى لاستقبال المصابين والحالات الطارئة.
خلال دقائق فقط، انهارت أجزاء من المبنى وامتلأت الممرات بالغبار والدخان. بعض المرضى الذين كانوا قادرين على الحركة حاولوا الزحف للخروج من الغرف المدمرة، بينما بقي آخرون عالقين تحت الركام. الكوادر الطبية التي كانت تعمل في تلك اللحظة وجدت نفسها فجأة أمام مهمة مختلفة تماماً عن مهامها المعتادة؛ فبدلاً من تقديم العلاج في بيئة منظمة، أصبحت تحاول إنقاذ الأرواح وسط أنقاض مبنى يتهاوى.

الحصيلة الأولية للهجوم كشفت حجم الكارثة. فقد قُتل 64 شخصاً بينهم 13 طفلاً و7 سيدات، اثنتان منهن من الطاقم الطبي. كما قُتل 44 رجلاً من بينهم طبيب كان يؤدي واجبه داخل المستشفى. إضافة إلى ذلك أُصيب 98 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، بعضها إصابات بالغة تتطلب عمليات جراحية عاجلة.
لكن خلف هذه الأرقام تختبئ قصص إنسانية كثيرة. فكل ضحية من هؤلاء كانت تمثل عائلة كاملة، وأطفالاً فقدوا آباءهم، أو أمهات فقدن أبناءهن، أو مرضى كانوا يأملون في الشفاء داخل المستشفى قبل أن يجدوا أنفسهم ضحايا للقصف.
ما حدث في الضعين يطرح أسئلة كبيرة حول طبيعة الحرب في السودان وحدود استخدام القوة العسكرية داخل المدن. فالحروب الحديثة لم تعد تقتصر على خطوط الجبهات التقليدية، بل امتدت إلى عمق المناطق المدنية، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة قادرة على ضرب أهداف داخل المدن دون الحاجة إلى وجود قوات برية.
لكن هذا التطور التكنولوجي يطرح في الوقت نفسه تحديات أخلاقية وقانونية كبيرة. فالقانون الدولي الإنساني ينص بوضوح على ضرورة حماية المنشآت الطبية وعدم استهدافها، لأنها تقدم خدمات إنسانية أساسية للمدنيين. استهداف مستشفى يعني عملياً استهداف أشخاص غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم، مثل المرضى والأطفال والنساء.
الحادثة أثارت أيضاً حالة من الغضب والصدمة في أوساط السكان المحليين. فالمستشفى كان يمثل أحد أهم المرافق الصحية في المدينة، ويعتمد عليه آلاف السكان في الحصول على العلاج. تدمير أجزاء منه يعني أن المدينة ستواجه أزمة صحية إضافية في وقت تعاني فيه أصلاً من آثار الحرب ونقص الموارد الطبية.

الكوادر الطبية التي نجت من القصف واجهت وضعاً بالغ الصعوبة. فبعد الهجوم مباشرة تدفق عشرات الجرحى إلى ما تبقى من أقسام المستشفى، بينما كانت بعض الغرف مدمرة بالكامل. اضطر الأطباء والممرضون إلى تحويل الممرات والساحات إلى نقاط علاج مؤقتة، في محاولة لإسعاف المصابين بأسرع ما يمكن.
وفي الوقت نفسه، لعب السكان المحليون دوراً مهماً في عمليات الإنقاذ. فقد وصل العشرات من أبناء المدينة إلى موقع الحادث لمساعدة فرق الإسعاف في نقل الجرحى وإزالة الأنقاض. بعضهم استخدم أدوات بسيطة مثل المجارف أو حتى الأيدي العارية للبحث عن ناجين تحت الركام.
لكن رغم هذه الجهود، فإن عمليات الإنقاذ لم تكن سهلة. فالمبنى تضرر بشكل كبير، وبعض الأقسام كانت مهددة بالانهيار. كما أن نقص المعدات الثقيلة جعل عملية إزالة الركام بطيئة ومعقدة.
هذه الحادثة لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الأوسع للحرب السودانية. فالصراع الذي اندلع بين القوى العسكرية المختلفة في البلاد أدى إلى تفكك كثير من مؤسسات الدولة، وترك المدن والقرى في مواجهة مباشرة مع آثار الحرب.
في مثل هذه الظروف، تصبح المنشآت المدنية أكثر عرضة للخطر. فالمستشفيات والمدارس والأسواق قد تتحول في أي لحظة إلى مواقع قتال أو أهداف عسكرية، سواء بسبب قربها من مناطق الاشتباك أو نتيجة أخطاء في العمليات العسكرية.
لكن الأثر الأعمق لهذه الحادثة قد يكون نفسياً واجتماعياً. فحين يفقد المجتمع ثقته في أن المستشفى مكان آمن، فإن الشعور العام بالأمان يتراجع بشكل كبير. هذا النوع من الصدمات الجماعية يمكن أن يترك آثاراً طويلة الأمد على السكان، خاصة الأطفال الذين شهدوا مشاهد العنف والدمار.
العيد الذي كان يفترض أن يكون مناسبة للفرح تحول في الضعين إلى يوم حداد. كثير من العائلات وجدت نفسها فجأة تقيم مراسم العزاء بدلاً من الاحتفال. الأطفال الذين كانوا ينتظرون ألعاب العيد أصبحوا يسمعون قصص الضحايا والجرحى.
وفي نهاية المطاف، فإن ما حدث في مستشفى الضعين يعكس صورة مصغرة عن مأساة الحرب في السودان. فالصراع الذي بدأ كخلاف سياسي وعسكري بين أطراف السلطة تحول مع مرور الوقت إلى كارثة إنسانية واسعة يدفع ثمنها المدنيون في مختلف المدن.
وبينما تستمر عمليات البحث تحت الأنقاض، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين اليوم: إلى متى ستستمر هذه الحرب، وكم من الأرواح يجب أن تُفقد قبل أن يجد البلد طريقه إلى السلام؟
