حصري
كيف شلّت التناقضات الدبلوماسية مسارات السلام في السودان؟
في علم العلاقات الدولية، عندما تتعدد مراكز صنع القرار الإقليمي حول أزمة واحدة، تصبح الدبلوماسية أداة لإدارة الصراع بدلاً من حله. الأزمة السودانية تقدم نموذجاً صارخاً لهذه المعضلة. فمنذ اليوم الأول للصراع في 2023، تدافعت العواصم الإقليمية (القاهرة، الرياض، أنقرة، الدوحة) لتقديم مبادرات وساطة، لكن هذا “التعدد” لم يكن تكاملياً، بل كان تنافسياً ومربكاً. هذا المقال يحلل كيف أسهم التداخل في الأدوار الدبلوماسية للدول الأربع في شل مسارات التفاوض، وإطالة أمد الحرب، وتحويل منصات الحوار إلى مجرد غرف عمليات لشراء الوقت وإعادة التسلح.
منصة جدة في مواجهة المسارات الموازية
برزت “منصة جدة” (التي تقودها السعودية والولايات المتحدة) كالمسار الأبرز دبلوماسياً. الهدف السعودي كان واضحاً: حماية مصالحه في البحر الأحمر، وضمان تدفق التجارة، ومنع انهيار الدولة السودانية التي تطل على حدوده البحرية. لكن السعودية اصطدمت بواقع معقد؛ فهي تحتاج إلى مصر (حليفها الاستراتيجي) التي تمتلك نفوذاً تاريخياً وعميقاً داخل المؤسسة العسكرية السودانية. مصر، من جانبها، رفضت أن تكون مجرد تابع لمنصة جدة، وطالبت بمقاربة تعترف بحساسياتها الأمنية، وتتعامل مع جذور الأزمة (التي ترى أنها تتمثل في وجود ميليشيا خارج الدولة). هذا التوتر بين “البراغماتية السعودية” التي تسعى لتسوية سريعة، و”العمق الاستراتيجي المصري” الذي يرفض التسويات على حساب هيبة الدولة، خلق ثغرات استغلها طرفا الصراع.
الورقة التركية-القطرية: دبلوماسية “الشمول” كسلاح مزدوج
في المقابل، تبنت تركيا وقطر خطاً دبلوماسياً يركز على “الشمولية” وضرورة إشراك كافة المكونات المدنية والسياسية، والابتعاد عن ما يسمونه “هيمنة العسكر”. هذا الموقف، رغم أنه يبدو ديمقراطياً في ظاهره، إلا أنه في السياق السوداني المعقد، اصطدم بالمحور المصري-السعودي الذي يرى أن الحل يكمن في دعم “الجيش” كإطار للدولة. التناقض هنا لم يكن علنياً في البيانات الصحفية، بل كان في “الإشارات الضمنية”. فالبرهان وحميدتي أدركا سريعاً أن كل دولة إقليمية لها “خط أحمر” مختلف. فعندما تضغط السعودية لوقف إطلاق النار في جدة، كان أحد الطرفين يذهب إلى أنقرة أو الدوحة للحصول على غطاء دبلوماسي يبرر به رفضه للشروط، أو العكس. لقد تحولت الدبلوماسية الإقليمية إلى “سوق سوداء” للمواقف، حيث يبيع القادة السودانيون ولاءهم السياسي مقابل دعم دبلوماسي يحميهم من الضغط الدولي.
تآكل دور الإيقاد والاتحاد الأفريقي
أسهم هذا التنافس الإقليمي في تهميش الآليات الأفريقية التقليدية. فمصر والسعودية حاولتا تقييد دور “الإيقاد” (التجمع الاقتصادي لدول شرق أفريقيا) بقيادة كينيا، بحجة أن كينيا غير محايدة أو أنها تتأثر بأجندات غربية/تركية. في المقابل، دعمت تركيا وقطر (ضمنياً) مسارات تتجاوز الهيمنة المصرية على الملف السوداني. هذا “الشد والجذب” الدبلوماسي أدى إلى شل الاتحاد الأفريقي والإيقاد
كيف أطالت الدبلوماسية أمد الحرب؟
- شراء الوقت: استخدم البرهان وحميدتي التباين بين الرياض والقاهرة من جهة، وأنقرة والدوحة من جهة أخرى، كذريعة لعدم الالتزام بوقف إطلاق النار. فكان كل طرف يقول للمجتمع الدولي: “نحن نلتزم، لكن حلفاءنا الإقليميين (في الطرف الآخر) يعرقلون”.
- تضارب رسائل المجتمع الدولي: عندما كانت أمريكا وأوروبا تدفعان نحو حل سلمي، كانت بعض العواصم الإقليمية ترسل رسائل طمأنة لأحد طرفي الصراع بأن “الوقت في صالحه”، مما أفشل كل مبادرة أممية.
- تسييس المساعدات الإنسانية: تحولت المفاوضات حول فتح الممرات الإنسانية في جدة إلى حرب استنزاف دبلوماسية، حيث يستخدم كل طرف “الفيتو” الإقليمي لحماية مصالحه، مما جعل المدنيين في دارفور والخرطوم رهائن لتوازنات دبلوماسية معقدة.
لقد أثبتت الأزمة السودانية أن “كثرة الأطباء” في الحالة السياسية قد تكون قاتلة. إن الدور السلبي -أو غير المدروس- للدول الأربع تجلى في تحويل مسارات السلام إلى مسارات متوازية ومتنافسة. لم تكن الدبلوماسية الإقليمية تهدف لإنهاء الحرب بقدر ما كانت تهدف إلى “إدارة نتائجها” بما يخدم كل عاصمة على حدة. والنتيجة هي سودان ممزق، ودبلوماسية إقليمية منهكة، وسلام يبدو أبعد من أي وقت مضى.
