الزاوية تحت وطأة الفوضى.. إطلاق نار عشوائي يعمّق المخاوف الأمنية
شهدت مدينة الزاوية، غرب ليبيا، مساء الجمعة حادث اطلاق نار عشوائي نفذه مسلح مخمور وسط مخاوف من تجدد الانفلات الأمني في إحدى أكثر المدن الليبية حساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن استمرار سطوة الجماعات المسلحة يبدد فرص استعادة الاستقرار، ويقوض المساعي المحلية والأممية الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة موحدة تقود البلاد نحو إنهاء الانقسام السياسي.
وتحولت المدينة خلال الساعات الماضية إلى ساحة توتر بعدما أقدم المسلح على إطلاق النار بشكل عشوائي في أحد الأحياء القريبة من جزيرة المعسكر، مستهدفاً مقراً يتبع أحد التشكيلات المسلحة، إلى جانب عدد من المحال التجارية، ما أثار حالة من الهلع بين السكان وأعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع الأمني الذي تعيشه الزاوية منذ سنوات.
وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة أظهرت المسلح، ويدعى أمجد الكيلاني ويعرف بلقب “الزير”، وهو يحمل سلاحاً آلياً ويتجول في الشارع مطلقاً النار بصورة عشوائية، في مشهد أثار استياء واسعاً بين أهالي المدينة الذين اعتبروا أن تكرار مثل هذه الحوادث يعكس غياب سلطة الدولة وعجز الأجهزة الأمنية عن فرض القانون.
وتشير روايات محلية إلى أن الواقعة جاءت في سياق صراع متجدد بين جماعات مسلحة تتنافس على مناطق النفوذ ومصادر التمويل، إذ سبق للمسلح المتورط أن تنقل بين أكثر من تشكيل مسلح، وسط حديث عن خلافات مرتبطة بالسيطرة على أنشطة اقتصادية ومواقع استراتيجية على الطريق الساحلي، وهو ما يبرز الطبيعة المعقدة للصراعات داخل المدينة، والتي غالباً ما تتجاوز البعد الأمني لتتشابك مع المصالح المالية وشبكات التهريب.
ويرى متابعون أن ما جرى في الزاوية ليس حادثاً معزولاً، بل يأتي ضمن سلسلة متواصلة من المواجهات المسلحة التي تشهدها المدينة منذ أعوام، حيث تتكرر الاشتباكات بين الفصائل المتنافسة، مخلفة قتلى وجرحى وأضراراً بالممتلكات، في ظل عجز السلطات عن إنهاء نفوذ التشكيلات المسلحة أو دمجها ضمن مؤسسات الدولة.
ويؤكد مراقبون أن استمرار هذه الأوضاع ينعكس مباشرة على المسار السياسي الليبي، إذ إن الانفلات الأمني وتعدد مراكز القوة المسلحة يمثلان أحد أبرز العوائق أمام تنفيذ المبادرات الدولية الهادفة إلى إعادة توحيد المؤسسات السيادية والعسكرية، فضلاً عن تشكيل حكومة موحدة قادرة على الإعداد لانتخابات طال انتظارها. كما أن بقاء المدن الرئيسية رهينة للتوازنات المسلحة يضعف ثقة المواطنين في العملية السياسية ويجعل أي تسوية عرضة للاهتزاز عند أول مواجهة ميدانية.
وفي هذا السياق، انتقد رجل الأعمال الليبي إسماعيل الشتيوي استمرار انتشار السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة، معتبراً أن التنمية الاقتصادية وبناء مؤسسات فاعلة يظلان هدفين بعيدَي المنال ما دامت الجماعات المسلحة تفرض نفوذها على الأرض. وقال إن الفوضى الأمنية لا تقتصر آثارها على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الاستثمار وحركة التجارة وصورة ليبيا في الخارج، رغم ما تمتلكه البلاد من موارد وإمكانات كبيرة.
من جهته، وصف ناصر عمار، آمر “قوة الإسناد” التابعة لعملية “بركان الغضب”، إطلاق النار العشوائي بأنه يمثل إساءة مباشرة إلى مدينة الزاوية ويعرض حياة المدنيين للخطر، داعياً إلى ملاحقة المتورطين وفرض هيبة القانون، في وقت تتصاعد فيه المطالب الشعبية بوضع حد لحالة الإفلات من العقاب.
وتعزز هذه التطورات المخاوف من استمرار التدهور الأمني في غرب ليبيا، خاصة مع تكرار حوادث القتل والاختطاف والاشتباكات المسلحة. وتشير معطيات محلية إلى أن عشرات الأشخاص لقوا مصرعهم في الزاوية منذ مطلع العام الحالي، بينما تحذر منظمات حقوقية من تصاعد الجرائم المرتبطة بالسلاح المنفلت وضعف قدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على محاسبة المسؤولين عنها، الأمر الذي يبقي المدينة رهينة لدورات متكررة من العنف، ويزيد من تعقيد جهود استعادة الدولة وبناء مؤسسات أمنية موحدة قادرة على فرض الاستقرار في مختلف أنحاء البلاد.
