سقوط المخا بيد الحوثيين.. باب المندب يدخل دائرة الخطر
سيطرت جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران اليوم الخميس على مدينة المخا على البحر الأحمر عند مضيق باب المندب الاستراتيجي وفق ما قالت ثلاثة مصادر في الحكومة اليمنية، حيث تسعى الجماعة المتمردة لتكون لها اليد الطولى على هذا الممر الاستراتيجي ما يهدد الملاحة البحرية وامدادت الطاقة، وذلك خدمة لمصالح طهران التي تواجه حصارا اقتصاديا وحربا مستمرة.
وفي وقت سابق اليوم، قالت أربعة مصادر عسكرية في الحكومة إن الجماعة باتت على مقربة من تعزيز نفوذها على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات العالمية لسفن نقل السلع، في وقت يتجه فيه القتال مع القوات المدعومة من السعودية نحو العودة إلى حرب شاملة.
وبخلاف المخا، ذكرت المصادر أن الحوثيين يقتربون من فرض سيطرة كاملة على مدن ساحلية على امتداد المضيق، مثل مدينة ذوباب، إذ تسعى الجماعة إلى السيطرة على كامل الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر.
وقد أعلنت قوات حكومية يمنية، الخميس، تشكيل مركز قيادة جنوب مدينة المخا لمواجهة تقدم الحوثيين حيث نقلت وكالة “2 ديسمبر” الناطقة باسم قوات المقاومة الوطنية الحكومية، عن عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح قوله إنه “وجه القوات المسلحة في الساحل الغربي بإعادة ترتيب صفوفها”.
وأضاف صالح، قائد هذه القوات، أن “القوات المسلحة في الساحل الغربي، مقاومة وطنية وعمالقة ودرع الوطن ووحدات محور تعز غربي المحافظة، قدمت ثمنا كبيرا، شهداء وجرحى، خلال الأيام الماضية وهي تواجه الهجوم الحوثي الذي خططت له إيران”. وتابع “وجهنا بتشكيل مركز قيادة بديل في مكان آمن يعيد تجميع القوات، بالتشاور مع قيادة التحالف العربي ومجلس القيادة” الرئاسي في اليمن.
وشهدت الأيام القليلة الماضية تصاعدا في القتال بين الحوثيين والقوات المتحالفة مع السعودية في اليمن ضمن الحكومة المعترف بها دوليا، مما يفتح جبهة حرب ثانية ضمن الحرب على إيران ويهدد إمدادات الطاقة العالمية. وأوقفت هدنة بواسطة الأمم المتحدة في 2022 إلى حد كبير حربا استمرت لسنوات، لكنها تظل هشة.
وقال الحوثيون أمس الأربعاء إن ضربات سعودية استهدفت محافظات الجوف ومأرب وصعدة الواقعة على الحدود مع المملكة، إضافة إلى محافظتي تعز جنوبا والحديدة المطلة على البحر الأحمر. وتشكل الحديدة أحد أهم معاقل الحوثيين وقاعدة رئيسية لحملتهم الأوسع لاستهداف حركة الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي.
وأصدر الدفاع المدني السعودي بيانا يفيد بزوال الخطر اليوم الخميس عقب إطلاق إنذار من المنصة الوطنية للإنذار المبكر في حالات الطوارئ في محافظة خميس مشيط للتحذير من خطر محتمل، وذلك للمرة الرابعة خلال 24 ساعة، في ظل تصاعد المواجهات مع جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران. وقال مسؤولو الدفاع المدني بعد وقت قصير من إطلاق الإنذار إن الخطر زال.
وذكر التحالف الذي تقوده السعودية يوم الثلاثاء إن ما لا يقل عن 73 شخصا أصيبوا في أربع مدن سعودية جنوبية، من بينها خميس مشيط، جراء هجمات جديدة شنتها جماعة الحوثي على المملكة، وهي واحدة من أكبر مصدري النفط في العالم.
وقال الحوثيون إنهم استهدفوا قاعدة جوية في خميس مشيط ومنشآت نفطية في مدن مجاورة، في واحدة من أكبر الهجمات على السعودية منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير شباط.
وقال التحالف إن الحوثيين واصلوا هجماتهم على الأصول الوطنية والبنية التحتية أمس الأربعاء.
ماذا تعني سيطرة الحوثيين على باب المندب
ومضيق باب المندب، الذي يعرف أيضا باسم باب الدموع نظرا لخطورة الملاحة فيه، هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، حيث يقع بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا على الساحل الأفريقي؛ مما يجعله مكسبا استراتيجيا كبيرا للحوثيين الذين يسيطرون على المناطق الأكثر كثافة سكانية في اليمن ومعظم أنحاء الشمال.
ويمثل المضيق واحدا من أهم الممرات العالمية لنقل النفط الخام والوقود من منطقة الخليج إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس أو خط أنابيب سوميد على ساحل البحر الأحمر المصري، كما يشكل ممرا للسلع المتجهة إلى آسيا، مثل النفط الروسي.
ولا تكمن أهمية التقدم الحوثي في السيطرة على أراض يمنية فحسب، إذ إن السيطرة على المنطقة المحيطة بالمضيق تمنح الجماعة قدرة أكبر على تهديد السفن التجارية التي تمر بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.
وقد سبق للحوثيين أن أثبتوا قدرتهم على تعطيل الملاحة الدولية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق، ما دفع شركات شحن عالمية إلى تحويل سفنها بعيدا عن البحر الأحمر واختيار طريق رأس الرجاء الصالح، رغم تكلفته وزمنه الأعلى.
ومن شأن إغلاق هذا الممر أن يعزل دول الخليج المنتجة للنفط وفي مقدمتها السعودية ذات القوة العظمى في مجال الطاقة عن طرق الشحن الرئيسية، وذلك بعدما أغلقت إيران فعليا مضيق هرمز الذي يُعد الشريان البحري الرئيسي لنقل إمدادات الطاقة بين آسيا وأوروبا.
وتواجه السعودية تحديدا معضلة استراتيجية، إذ كانت تعتمد على موانئها ومنشآتها على البحر الأحمر لتوفير بدائل عن طريق الخليج في حال تعطل مضيق هرمز. لكن الهجمات الحوثية على جازان وغيرها باتت تضغط أيضا على هذه القدرة البديلة.
وتوجد طرق أخرى لتصدير النفط، بينها خطوط الأنابيب والمنشآت المطلة على البحر الأحمر، إلا أن قدرتها محدودة ولا تستطيع بسهولة تعويض اضطراب واسع في الطرق البحرية. كما يمكن للسفن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، لكن ذلك يضيف آلاف الكيلومترات إلى الرحلات، ويرفع تكاليف الوقود والتأمين ويؤخر وصول الشحنات.

ويخشى محللون من أن يؤدي الجمع بين اضطراب هرمز وتهديد باب المندب إلى خلق أزمة مزدوجة لم يشهدها سوق الطاقة والتجارة العالمية بهذا الحجم من قبل. فالأول يقع عند مدخل الخليج، بينما يتحكم الثاني في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس.
وتكتسب التطورات بعدا جيوسياسيا أيضا، إذ إن سيطرة جماعة حليفة لإيران على المنطقة المحيطة بباب المندب ستمنح طهران وحلفاءها ورقة ضغط إضافية على الملاحة الدولية، في وقت تواجه فيه إيران نفسها صراعا مباشرا مع الولايات المتحدة.
وقالت “تايمز” البريطانية إن المعارك الجديدة تتركز حول السيطرة على باب المندب، وإن الحوثيين يسعون إلى استخدام موقعهم الجغرافي لفرض حصار بحري على السعودية، بينما تحاول الرياض تجنب الانجرار مجددا إلى حرب يمنية طويلة.
لكن السيطرة الكاملة على المضيق لا تعني بالضرورة إغلاقه رسميا. فقد يستطيع الحوثيون، حتى من دون احتلال كامل للضفتين أو للممر البحري نفسه، جعل عبوره محفوفا بالمخاطر عبر استهداف السفن أو فرض رسوم أو شروط على المرور.
