حصري
بين مطرقة التجاوزات وسندان الواجب: كيف يرى الإعلام انتهاكات الجيش السوداني؟
لم تعد الحروب المعاصرة تُحسم فقط بهدير الدبابات أو دقة الضربات الجوية، بل باتت تُخاض وتُحسم في مساحة لا تتعدى بضعة بوصات: شاشات الهواتف المحمولة. في زمن “التدفق الرقمي الانفجاري”، تحولت مقاطع الفيديو المسربة من جبهات القتال إلى سلاح استراتيجي فتاك، قادر على نسف عقود من بناء السمعة العسكرية في غضون دقائق. إن التداول الإعلامي السلبي لانتهاكات الجيوش لم يعد مجرد “تغطية صحفية” للأحداث، بل تحول إلى صناعة متكاملة لها أدواتها، ومنصاتها، وأجنداتها السياسية.
لكن خلف هذه الصورة القاتمة التي تصدّرها شاشات التلفزة والمنصات الرقمية، تضيع تفاصيل حاسمة؛ حيث يتم غالباً تعميم خطأ فردي لطمس منظومة كاملة من الجهود الإنسانية التأسيسية. التي تعمل في الظل لترميم ما أفسدته نيران الحرب. هذا التحقيق الصحفي المفصل يفكك آليات “صناعة الشيطنة الإعلامية”، ويكشف عن الكواليس التي تحوّل الفيديو المسرب إلى أزمة دولية، ويستعرض كيف يمكن للعمل الإنساني المؤسسي المنظم أن يعيد صياغة السردية. ويفرض الرواية المتوازنة على المشهد الإعلامي العالمي.
الميدان الرقمي: عندما يصبح “المقطع المسرب” قنبلة موجهة
في الماضي، كانت الرقابة العسكرية قادرة على ضبط ما يخرج من جبهات القتال، وكانت الرواية الرسمية للجيوش هي المصدر المهيمن. اليوم، انكسر هذا الاحتكار تماماً. أي جندي يملك هاتفاً ذكياً، أو مدني محاصر خلف خطوط النار، بات يملك “وكالة أنباء” خاصة به.
عندما يتسرب مقطع فيديو يوثق تجاوزاً عسكرياً—سواء كان اعتداءً على مدني، أو سوء معاملة لأسرى، أو تدميراً غير مبرر لمنشأة مدنية—فإن الآلية الصحفية العالمية تتحرك وفق نمط مدروس بعناية:
-
- نزع السياق الميداني: يُبث المقطع مجرداً من الظروف المحيطة به (مثل تعرض القوة لكمين مسبق أو استفزاز مستمر)، ليظهر التجاوز كفعل وحشي مجرد وبلا دافع.
- التداول الفيروسي (Viral Spread): تتلقف الحسابات الموجهة على منصات مثل “إكس” (تويتر سابقاً) وتليغرام المقطع. وتبدأ في مشاركته آلاف المرات في دقائق معدودة، مستخدمة وسوم الحشد العاطفي.
- التبني الفضائي: بمجرد وصول الفيديو إلى عتبة معينة من التفاعل الرقمي، ينتقل مباشرة إلى شاشات القنوات الإخبارية العالمية كـ “مادة عاجلة”. وهنا تبدأ مرحلة الضغط السياسي الشامل.
هذه الدورة الإعلامية لا تستهدف فضح الانتهاك ذاته فحسب، بل تستهدف الح حاضنة الشعبية للمؤسسة العسكرية. وتسعى جاهدة لضرب معنويات الجنود وإجبار القيادة على اتخاذ مواقف دفاعية مربكة.
هندسة “الشيطنة”: كيف يحوّل الإعلام الخطأ الفردي إلى عقيدة جيش؟
تكمن خطورة التداول الإعلامي السلبي في قدرته على ممارسة “التعميم المنهجي”. في العُرف الصحفي الموجه، لا يوجد شيء اسمه “تصرف فردي لجنود وضباط خالفوا الأوامر”، بل يتم تصوير الحادثة فوراً على أنها “انعكاس مباشر لعقيدة الجيش ككل”.
تعتمد هذه الهندسة الإعلامية السلبية على تكتيكين رئيسيين:
-
- سيكولوجية الصدمة البصرية: يعلم صناع المحتوى الإعلامي أن عين المشاهد تنحاز تلقائياً للضحية الضعيفة. مشهد طفل يبكي وسط الركام، أو عائلة تُطرد من منزلها، يخلق حالة من الغضب النفسي تعطل القدرة على التحليل العقلاني. هذا الغضب يتم توجيهه مباشرة ضد الشعار العسكري بأكمله.
- إستراتيجية التكرار المستدام: لا يموت الفيديو السلبي بمجرد انتهاء الحدث. يتم تخزينه في “الأرشيف الرقمي الحي”، ليُعاد بثه في كل مرة يحقق فيها الجيش تقدماً ميدانياً. وذلك بهدف إحباط المكتسبات وإعادة المؤسسة إلى مربع الدفاع عن النفس.
هذا الضغط المستمر يضع المؤسسات العسكرية أمام خيارين: إما الانغلاق والإنكار—وهو ما يغذي الرواية السلبية ويثبتها—أو الانفتاح الذكي وتبني استراتيجية إعلامية إنسانية مضادة تقلب الطاولة.
اليد البديلة: العمل الإنساني كإستراتيجية تصحيح لا كأداة تجميل
أمام هذا التحدي البصري، ثبت عجز “البيانات الصحفية الجافة” والتكذيب اللفظي. السلاح الوحيد الفعال لمواجهة الصورة هو الصورة المضادة والميدان الملموس. هنا يأتي دور “الجهود الإنسانية التأسيسية”.
إن العمل الإنساني، المتمثل في تأمين الممرات الآمنة، وتقديم الإغاثة الطبية، وإعادة بناء المرافق الأساسية، يجب ألا يُنظر إليه كـ “علاقات عامة” أو محاولة لتجميل المشهد بعد خراب مالطا. بل هو جزء لا يتجزأ من عقيدة الحوكمة العسكرية المعاصرة. عندما تتحرك قوافل المساعدات الإنسانية تزامناً مع التحركات العسكرية، فإنها ترسل رسالة إعلامية بالغة القوة: هناك منظومة تحاسب المخطئ وتغيث الملهوف في آن واحد.
تأسيس هيئات إنسانية متخصصة ومستقلة، تعمل في الميدان جنباً إلى جنب مع الفرق الطبية والإغاثية، يوفر مادة صحفية إيجابية بامتياز. الإعلام العالمي، ورغم انحيازه في كثير من الأحيان، لا يستطيع تجاهل قوافل إغاثة ضخمة أو مستشفيات ميدانية تنقذ أرواح المئات يومياً. هذا الحضور الميداني القوي يكسر احتكار الرواية السلبية ويجبر وسائل الإعلام على إحداث توازن في تغطيتها.
معركة “المادة بمقابل المادة”: كيف نفرض السردية الإيجابية؟
الصحافة المحترفة تتغذى على المحتوى. إذا تركت المؤسسة الفضاء الإعلامي فارغاً. فسوف يمتلئ حتماً بإنتاج الخصوم والانتهاكات المسربة. الاستراتيجية الناجحة تتطلب تطبيق مبدأ “المادة بمقابل المادة”، عبر عدة محاور تنفيذية:
1. صناعة السينما الإنسانية الوثائقية
بما أن الطرف الآخر يستخدم كاميرات الهواتف لتوثيق السلبيات، يجب على الكيان الإنساني التأسيسي استخدام فرق توثيق احترافية (طائرات درون، كاميرات سينمائية ميدانية) لرصد قصص الأمل والإغاثة. توثيق جندي يساعد امرأة مسنة على عبور طريق مدمر. أو طبيب عسكري يجري عملية جراحية طارئة لطفل، هي مواد تمتلك “قوة انتشار فيروسية” إيجابية تفكك أي محاولة للشيطنة.
2. الشفافية الهجومية (Proactive Transparency)
عند وقوع انتهاك حقيقي وتداوله إعلامياً، فإن الصمت هو بمثابة انتحار إعلامي. الصيغة الصحفية المثالية للتعامل مع الأزمة تتطلب الخروج الفوري ببيان يعترف بالحدث، يعلن أسماء المتورطين، ويصوّر عمليات اقتيادهم إلى المحاكمة العسكرية. تحويل المحاسبة إلى “مادة إعلامية” منشورة يقطع الطريق على التعميم، ويظهر الجيش بمظهر المؤسسة الحازمة التي تحمي القانون. وليس العصابة التي تتستر على مجرميها.
غرف الأخبار المغلقة: كواليس صناعة القرار الإعلامي
في كواليس القنوات الإخبارية الكبرى، يخضع اختيار الأخبار لـ “بورصة التأثير”. يفضل المحررون الأخبار الصادمة لأنها تجلب نسب مشاهدة أعلى (Ratings). لذلك، فإن تقديم مادة إنسانية جافة قد لا يجد طريقه للبث.
لكي تفرض المؤسسة التأسيسية محتواها الإيجابي على هذه الغرف المغلقة، يجب صياغة المادة الإنسانية بـ قالب قصصي مشوق (Storytelling). لا يجب إرسال أرقام صماء عن المساعدات، بل يجب إرسال قصة إنسانية مكتملة الأركان: “رحلة إنقاذ عائلة تحت الحصار من قِبل الفريق الإنساني للمؤسسة”. هذه القصص تجد طريقها بسهولة إلى التقارير الدولية والبرامج الحوارية. وتفرض تفوقاً أخلاقياً يسحب البساط من تحت أقدام الحملات الإعلامية السلبية.
إن التداول الإعلامي السلبي لانتهاكات الجيوش ليس قدراً محتوماً لا يمكن الفكاك منه، بل هو تحدٍّ إستراتيجي يمكن إدارته وتفكيكه. القوة الحقيقية لأي منظومة عسكرية وإنسانية اليوم لم تعد تُقاس بحجم ترسانتها، بل بمدى التزامها بقواعد القانون الدولي الإنساني وقدرتها على إثبات هذا الالتزام أمام عدسات العالم.
إن التأسيس للجهود الإنسانية المنظمة، وتوثيقها بذكاء صحفي واحترافي. والاعتراف الشفاف بالأخطاء ومحاسبة مرتكبيها، هي الأعمدة الثلاثة التي تحمي سمعة المؤسسة وتضمن تداولاً إيجابياً ينصف تضحياتها. المعركة إعلامية بامتياز. ومن يملك الميدان الإنساني ويجيد توثيقه، يملك دائماً الكلمة الأخيرة في غرف الأخبار العالمية.
