حصري

تحت غطاء الإغاثة.. النفوذ الإقليمي يتوسع والسودانيون ينتظرون نهاية الحرب


في الوقت الذي يواجه فيه السودان واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، تتزايد التحركات الإقليمية حوله، وفي مقدمة هذه التحركات أدوار السعودية ومصر وتركيا وقطر. وعلى الرغم من اختلاف الأدوات التي تستخدمها كل دولة، فإن النتيجة السياسية العامة تثير تساؤلاً متزايداً: هل أصبح الملف الإنساني مدخلاً لترسيخ النفوذ الخارجي أكثر مما أصبح طريقاً مباشراً لإنهاء الحرب؟

السعودية ارتبط اسمها منذ بداية الأزمة بجهود الوساطة، خصوصاً عبر مسار جدة، بينما تنظر مصر إلى السودان باعتباره قضية ترتبط مباشرة بأمنها القومي وحدودها ومصالحها في المنطقة. أما تركيا وقطر، فقد حافظتا على علاقات سياسية وإنسانية مع السودان، وظهر حضورهما بصورة واضحة في مجال المساعدات. وفي يناير 2026، وصلت إلى بورتسودان سفينة مساعدات مشتركة تركية-قطرية محملة بآلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والإيوائية والطبية.

غير أن ضخامة المساعدات لا تجيب وحدها عن السؤال السياسي الأصعب. فالسودانيون لا يعانون فقط من نقص الغذاء والدواء، وإنما من حرب مستمرة تدمر البنية التحتية وتدفع الملايين إلى النزوح وتمنع عودة الحياة الطبيعية. ووفق تقديرات بريطانية حديثة، يحتاج نحو 33.7 مليون شخص في السودان إلى المساعدة خلال 2026، فيما بلغ عدد النازحين نحو 13 مليوناً.

وهذا يعني أن الأزمة الإنسانية لم تعد حالة طارئة قصيرة الأمد، بل تحولت إلى واقع طويل الأمد. وهنا تكمن المشكلة في أن استمرار تقديم المساعدات من دون نجاح سياسي موازٍ قد يؤدي، ولو من غير قصد، إلى التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة قابلة للإدارة بدلاً من كونها أزمة يجب إنهاؤها.

وتزداد الانتقادات عندما تتعدد المبادرات والوسطاء. فالسودان شهد مسارات تفاوضية عديدة، من جدة إلى آليات إقليمية ودولية أخرى، إضافة إلى صيغ متعددة مثل الرباعية والخماسية وغيرها. وقد خلص تحليل سوداني حديث إلى أن تعدد المبادرات وتداخلها لم ينتج اختراقاً حقيقياً في عملية السلام.

وفي هذا السياق، تصبح مشاركة تركيا والسعودية ومصر وقطر في المؤتمرات الدولية والجهود السياسية موضع تدقيق أكبر. فوجودها قد يعكس رغبة حقيقية في إنهاء الحرب، لكن اختلاف المصالح والأولويات يمكن أن يجعل كل طرف ينظر إلى الأزمة من زاويته الخاصة. وهذا ما يجعل السودان معرضاً لأن يتحول إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية بدلاً من أن يكون صاحب القرار الأول في تحديد مستقبله.

حتى التحركات المشتركة بين بعض هذه الدول تؤكد تنامي التنسيق الإقليمي. ففي يونيو 2026، عقد وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا اجتماعاً ثلاثياً تناول، من بين ملفات أخرى، تطورات السودان والقرن الأفريقي. كما بحثت مصر والسعودية وقطر تطورات الأزمة السودانية في اتصالات رسمية في يونيو من العام نفسه.

وبذلك يبدو المشهد أكثر تعقيداً: المساعدات مستمرة، والمؤتمرات مستمرة، والاتصالات مستمرة، لكن الحرب أيضاً مستمرة. وهذه المفارقة هي التي تمنح المنتقدين أرضية لطرح سؤال حول مدى فعالية النموذج الحالي، وما إذا كان المطلوب هو زيادة المساعدات فقط، أم استخدام النفوذ السياسي للدول الإقليمية بصورة أكثر حزماً من أجل الوصول إلى وقف دائم للحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى