حصري

16 رحلة في 17 يوماً.. قفزة جوية نحو بورتسودان تفتح ملف كلفة الإمداد العسكري في حرب السودان


لم تعد حركة الطيران المتجهة إلى بورتسودان مجرد تفاصيل متفرقة في سجلات الملاحة الجوية، بل باتت مدخلاً لفهم جانب من البنية اللوجستية التي رافقت استمرار الحرب في السودان. فمع اتساع رقعة المواجهة وتزايد الحاجة إلى الوقود والمعدات وقطع الغيار والعتاد، تكتسب الرحلات الجوية المتكررة أهمية تتجاوز نقطة الإقلاع والهبوط، لتطرح أسئلة أوسع عن حجم الإمدادات، والجهات المرتبطة بمساراتها، والموارد التي تتطلبها حرب طويلة على السلطة.

وفي هذا السياق، يبرز رصد منصة «إيكاد»، المتخصصة في التحقيقات مفتوحة المصدر وتحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبع الطيران، بوصفه إحدى الأدوات التي حاولت رسم ملامح الحركة الجوية المرتبطة بالسودان. وتكتسب هذه التحقيقات قيمتها من الجمع بين أكثر من مؤشر: مسار الطائرة، ورقم تسجيلها، ونوعها، وتكرار ظهورها، إلى جانب مقارنة صور المطارات والبنية التحتية المحيطة بها. غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكشف بالضرورة عن محتويات كل رحلة، وهو فارق أساسي عند محاولة التمييز بين حركة الشحن التجارية والإمداد العسكري المحتمل.

ديسمبر 2025.. ارتفاع لافت في عدد الرحلات

تظهر الفترة الممتدة من الأول إلى السابع عشر من ديسمبر 2025 بوصفها إحدى المحطات اللافتة في البيانات التي يستند إليها التحقيق. فبحسب المعلومات المنسوبة إلى «إيكاد»، جرى رصد ما لا يقل عن 16 رحلة شحن إلى بورتسودان خلال 17 يوماً، عبر مسارات مرتبطة بإسطنبول والقاهرة ومسقط وشرق العوينات. ويكشف توزيع الرحلات عن تركز واضح للنشاط في النصف الثاني من الفترة، بعدما سجل الأسبوع الأول أربع رحلات، قبل أن يرتفع العدد إلى 12 رحلة بين الثامن والسادس عشر من ديسمبر.

وتثير هذه الزيادة أسئلة بشأن طبيعة الحركة التي شهدها المطار في تلك الأيام، وما إذا كانت تعكس احتياجات لوجستية متزايدة أو إعادة تنظيم لمسارات النقل الجوي. لكن قراءة الرقم تتطلب الانتباه إلى حدود المعلومات المتاحة؛ إذ لا تتوافر في المادة المنشورة قاعدة بيانات مكتملة تعرض كل رحلة على حدة، وتحدد بصورة مستقلة طبيعة حمولتها والجهة التي تسلمتها. لذلك، فإن الرقم يصف حركة رُصدت ضمن الفترة المحددة، لكنه لا يثبت وحده أن الرحلات الست عشرة حملت أسلحة أو ذخائر.

ومع ذلك، فإن تكرار الرحلات خلال فترة قصيرة، وتنوع الطائرات والمسارات المرتبطة بها، يقدمان مؤشراً يستحق الفحص، خصوصاً عندما يوضعان ضمن سياق الحرب التي جعلت الإمداد والقدرة على نقل المعدات عنصرين مؤثرين في استمرار العمليات العسكرية. فالسؤال لا يتعلق بعدد الطائرات فقط، بل بالمنظومة التي تسمح بتكرار الحركة، وتأمين مساراتها، واستقبالها، وتفريغ حمولاتها، ثم إعادة تشغيل الطائرات أو توجيهها إلى وجهات أخرى.

أرقام التسجيل تنقل التحقيق من الرصد إلى التتبع

ضمن الحركة الجوية التي وثقتها المنصة، ظهرت تسجيلات طائرات من بينها SU-SKG وSU-SFY وSU-SAW وSU-SKD وRA-76834. وتكتسب هذه البيانات أهمية استقصائية لأنها تمنح الباحثين نقطة انطلاق لتتبع الطائرة ذاتها عبر فترات زمنية مختلفة، بدلاً من الاكتفاء بصورة عامة عن نشاط مطار أو ظهور جسم جوي غير معروف.

ويتيح رقم التسجيل، عند توافر بيانات كافية، الربط بين رحلات متباعدة ومقارنة المسارات المتكررة وتحديد المطارات التي تتردد عليها الطائرة. كما يمكن الاستفادة منه في مراجعة التوقيتات والصور الجوية وسجلات الملاحة، بما يساعد على بناء تسلسل زمني للحركة. لكن التسجيل وحده لا يكشف عن طبيعة الحمولة، ولا يثبت أن الطائرة شاركت في نقل عسكري؛ فهذه النتيجة تحتاج إلى قرائن إضافية تتصل بالرحلة نفسها وبالجهة المشغلة وبما أمكن توثيقه عن الشحنة.

ومن بين الطائرات التي تستحق المتابعة، تبرز SU-SKD، وهي طائرة من طراز إيرباص A320 ارتبط اسمها بشركة «سكاي فيجن للطيران». ووفق المعلومات الواردة في التحقيق، ظهرت الطائرة ضمن بيانات الحركة في ديسمبر 2025، ثم عادت «إيكاد» إلى تتبعها في مادة لاحقة خلال عام 2026، مع الإشارة إلى سجل سابق يتضمن عشرات الرحلات المرتبطة بالسودان.

وتكمن أهمية هذه الحالة في أن تتبع الطائرة عبر أشهر مختلفة قد يكشف نمطاً متكرراً لا يظهر عند دراسة كل رحلة منفردة. فإذا تكررت الوجهات والتوقيتات أو ظهرت صلات بين مسارات الطائرة ومراكز لوجستية محددة، أمكن اختبار فرضيات بشأن وظيفة تلك الحركة. أما إذا غابت البيانات التفصيلية عن الرحلات أو طبيعة الشحنات، فيظل التكرار مؤشراً يستدعي التحقيق، لا دليلاً نهائياً على نقل السلاح.

كما أن اختلاف أنواع الطائرات المرصودة يفرض قدراً إضافياً من الحذر. فقد شملت الحركة، بحسب المادة، طائرات من طراز بوينغ 737F وإيرباص A320 وإليوشن Il-76. وتختلف هذه الطائرات في تصميمها واستخداماتها وقدراتها التشغيلية؛ فبعضها مخصص للشحن، وبعضها مصمم أساساً لنقل الركاب، فيما تستطيع طائرات أخرى نقل حمولات كبيرة. لكن تصنيف الطائرة أو قدرتها على حمل المعدات لا يثبت طبيعة ما نقلته في رحلة بعينها.

بورتسودان.. المطار بوصفه جزءاً من منظومة الإمداد

تتجاوز أهمية بورتسودان موقعه الجغرافي باعتباره نقطة وصول داخل السودان. فمع انتقال مؤسسات حكومية وعسكرية إلى المدينة خلال الحرب، ازدادت أهمية المطار بوصفه منشأة تستقبل الحركة الجوية القادمة من الخارج. وفي التحقيقات التي تناولت تطور البنية التحتية، ظهرت توسعات في ساحات وقوف الطائرات بوصفها عنصراً يستحق المقارنة مع حركة الشحن المسجلة.

ووفق المعطيات الواردة في مواد سابقة منسوبة إلى «إيكاد»، أظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء ساحة جديدة للطائرات تقدر مساحتها بنحو 50 ألف متر مربع، إلى جانب توسيع ساحة أخرى من قرابة 25 ألف متر مربع إلى نحو 38 ألف متر مربع. ولا يكفي هذا التوسع، منفرداً، لإثبات وجود نشاط عسكري؛ فقد تتداخل في تطوير المطارات احتياجات تشغيلية وتجارية ومدنية. إلا أن وضع التغييرات العمرانية إلى جانب بيانات الطيران قد يساعد في فهم ما إذا كانت قدرة المنشأة على استقبال الطائرات قد تغيرت بالتزامن مع ارتفاع الحركة.

وتكمن قيمة هذا النوع من التحليل في جمع الأدلة بدلاً من الاعتماد على قرينة واحدة. فصورة الأقمار الصناعية يمكن أن توضح تغيرات مادية داخل المطار، وبيانات التتبع قد تكشف وصول طائرة في وقت محدد، ورقم التسجيل قد يسمح بمراجعة سجلها السابق. لكن الانتقال من هذه العناصر إلى استنتاج أن شحنة عسكرية وصلت بالفعل يحتاج إلى إثباتات أخرى، مثل معلومات موثوقة عن الحمولة أو توثيق مستقل لعملية التفريغ أو صلة مؤكدة بالجهة المستفيدة.

وهذا التمييز ضروري في ملف الإمداد الجوي السوداني، لأن الاتهامات المتعلقة بنقل السلاح تحمل تبعات سياسية وأمنية كبيرة. كما أن تضارب المعلومات أو نقص البيانات قد يؤدي إلى الخلط بين حركة تجارية عادية ورحلات مرتبطة بالعمليات العسكرية. ومن هنا، لا ينبغي التعامل مع توسعات المطار أو تكرار الطائرات باعتبارهما دليلاً قاطعاً، بل باعتبارهما أجزاء من صورة أوسع تحتاج إلى التحقق والتقاطع.

من الطائرة إلى كلفة الحرب

يفتح رصد الرحلات الجوية باباً لسؤال أكبر من هوية الطائرات ومساراتها: كم تحتاج الحرب إلى موارد كي تستمر؟ فالإمداد العسكري لا يقتصر على الأسلحة والذخائر، بل يشمل أيضاً قطع الغيار والوقود والمعدات الفنية وأدوات الصيانة والاتصالات ومواد الدعم اللوجستي. وتختلف طبيعة هذه الاحتياجات وفق نوع العمليات، وحجم القوات، والمسافات التي تفصل بين مواقع التخزين والجبهات، والقدرة على نقل الإمدادات براً أو جواً.

غير أن تقدير الكميات التي استهلكتها الحرب لا يمكن استخلاصه من عدد الرحلات وحده. فحساب حجم الشحنات يتطلب معرفة نوع الطائرة في كل رحلة، والحمولة الفعلية، والوزن الذي نقلته، وما إذا كانت الرحلة محملة بالكامل أو جزئياً، فضلاً عن تحديد طبيعة المواد المنقولة. كما يحتاج تقدير كلفة الإمداد إلى بيانات عن الوقود والتشغيل والتأمين والمناولة الأرضية والصيانة، وهي تفاصيل لا توفرها أرقام الحركة الجوية بمفردها.

وبالمثل، لا يمكن تحويل عدد الرحلات إلى تقدير موثوق لكمية السلاح والذخائر من دون أدلة مستقلة تحدد محتويات الحمولات. فطائرتان من الطراز نفسه قد تنقلان شحنتين مختلفتين تماماً من حيث الوزن والمحتوى، وقد تحمل إحداهما معدات مدنية أو بضائع تجارية. ولهذا فإن أي محاولة لقياس الكلفة العسكرية للحرب تحتاج إلى الجمع بين سجلات الطيران والصور الفضائية والبيانات اللوجستية والمعلومات الموثقة عن الشحنات.

ومع ذلك، فإن هذا المسار البحثي يظل مهماً، لأن توثيق الحركة المتكررة يساعد على بناء قاعدة بيانات يمكن تطويرها مع ظهور معلومات جديدة. فبدلاً من التعامل مع كل رحلة باعتبارها واقعة منفصلة، يمكن تصنيفها وفق التاريخ والطائرة والمسار والمطار والجهة المشغلة، ثم مقارنة الأنماط عبر الأشهر والسنوات. ومع تراكم البيانات، قد يصبح بالإمكان التمييز بصورة أوضح بين النشاط المعتاد والارتفاعات الاستثنائية، وتحديد الفترات التي تستحق تحقيقاً أعمق.

شرق العوينات.. امتداد إقليمي للبحث

لا تنتهي الصورة عند بورتسودان. فالمعلومات التي أوردها التحقيق تشير إلى أن مطار شرق العوينات في جنوب غربي مصر أصبح موضع اهتمام متزايد خلال عام 2026، بعدما نشرت «إيكاد» مواد عن نشاط جوي وأعمال تطوير داخل المنشأة. كما نقلت تقارير صحفية دولية، وفق النص، معلومات عن استخدام المطار في سياق مرتبط بتركيا والحرب السودانية، وعن رحلات قادمة مباشرة من تركيا.

وتشمل المعطيات الواردة رصد أجسام جوية في المطار ومقارنتها بأبعاد طائرات شحن ومسيّرة تركية من طراز بيرقدار أكينجي، إضافة إلى معلومات عن هبوط طائرة نقل عسكري من طراز A400M. وتوفر هذه التفاصيل مسارات إضافية للتحقيق، لكنها لا تجعل كل جسم مرصود شحنة عسكرية، ولا تثبت وحدها وجهة كل حمولة أو الجهة التي تسلمتها. فالتعرف إلى نوع طائرة أو مسيّرة من صورة فضائية يظل عملية تقدير فني، تتأثر بدقة الصورة وزاوية الالتقاط وظروف الرصد.

وتشير هذه المعطيات، عند وضعها إلى جانب حركة الشحن إلى بورتسودان، إلى ضرورة دراسة شبكة الإمداد بوصفها منظومة عابرة للحدود، لا سلسلة رحلات منفردة. فالمطارات المختلفة قد تؤدي وظائف متعددة، من العبور إلى التخزين أو النقل أو استقبال الطائرات، لكن تحديد وظيفة كل منشأة يحتاج إلى أدلة مستقلة تتناسب مع قوة الادعاء.

شبكة تحتاج إلى إثبات متكامل

تقدم الرحلات الست عشرة المرصودة خلال الفترة من الأول إلى السابع عشر من ديسمبر 2025 نقطة بداية لفهم حركة الشحن المرتبطة ببورتسودان، لكنها لا تمثل وحدها حصيلة شاملة للإمداد الجوي إلى السودان، كما لا تثبت أن جميع الرحلات كانت عسكرية. وتظل أهميتها في ما تتيحه من أسئلة قابلة للفحص: لماذا ارتفع عدد الرحلات في تلك الأيام؟ ما المسارات التي تكررت؟ ما طبيعة العلاقة بين الطائرات والمطارات التي ظهرت في بياناتها؟ وهل يمكن ربط بعض الرحلات بأدلة مستقلة على نقل معدات عسكرية؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب توسيع قاعدة البيانات ومراجعة السجلات وتحديد درجة الثقة في كل واقعة، مع الفصل بين ما تؤكده الصور والبيانات وما يستنتجه المحققون منها. فالحرب التي تستمر لسنوات تستهلك موارد ضخمة، لكن قياس هذه الموارد لا يتحقق بالمبالغة في تفسير المؤشرات، بل بتحويلها إلى أدلة قابلة للمراجعة والمقارنة.

وفي النهاية، لا تكمن أهمية تتبع الطائرات في تسجيل حركتها فحسب، بل في محاولة فهم البنية التي تجعل الإمداد ممكناً، والموارد التي تضمن استمراره، والطرق التي تربط بين المطارات خارج السودان ونقاط الوصول داخله. وبين بورتسودان وشرق العوينات، تتسع خريطة التحقيق، فيما يبقى تقدير الحجم الفعلي للسلاح والذخائر وكلفة نقلهما رهناً بتوافر معلومات أكثر تفصيلاً عن الحمولات والجهات المستفيدة وسجلات التشغيل.

زر الذهاب إلى الأعلى