البرهان بين ضغط واشنطن وحسابات بورتسودان.. الإسلاميون ومعركة البقاء في السلطة
«القصة» تطرح أسئلة عن نفوذ الحركة الإسلامية داخل معسكر الجيش، وتكشف تعقيدات التفاوض على مستقبل الحكم.. فيما تتصاعد المنافسة على مواقع السلطة وتزداد الضغوط لإنهاء الحرب
لم تعد الأزمة السودانية محصورة في المواجهات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، ولا في الجهود الدولية الرامية إلى فرض هدنة إنسانية توقف نزيف الدم. فخلف المشهد الميداني، تتشابك معركة أخرى تتعلق بمستقبل السلطة، ومراكز النفوذ داخل المعسكر الذي يقوده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ومدى قدرته على اتخاذ قرارات سياسية قد تتعارض مع مصالح قوى نافذة ترتبط بمؤسسات الحكم والأجهزة العسكرية.
وتضع الحلقة الأولى من برنامج «القصة» هذه المسألة في صلب تفسيرها لتعثر المبادرات السياسية، معتبرة أن أحد أبرز العوائق أمام التوصل إلى تسوية لا يرتبط فقط بالخلافات بين الجيش والدعم السريع، بل أيضاً بحسابات البقاء في السلطة، وموقف الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني من أي ترتيبات قد تعيد تشكيل المشهد السوداني.
وفي هذه القراءة، يظهر البرهان أمام معادلة شديدة التعقيد: ضغوط خارجية تدفع باتجاه هدنة ومسار سياسي وحكومة مدنية، وتوازنات داخلية تجعل أي تنازل بشأن مستقبل الحكم موضع خلاف مع قوى ترى أن التسوية قد تؤدي إلى تقليص نفوذها أو إبعادها عن مؤسسات الدولة.
لكن فهم هذه المعادلة يتطلب الفصل بين التحليل السياسي الذي يقدمه البرنامج والوقائع التي تحتاج إلى أدلة مستقلة، خصوصاً فيما يتعلق بالحديث عن تهديدات داخلية أو احتمالات انقلاب على القيادة أو وجود اتفاقات سرية بشأن مستقبل السلطة.
ومع ذلك، فإن الأسئلة التي تطرحها الحلقة تفتح نافذة مهمة على طبيعة الصراع السوداني، وتكشف أن الوصول إلى اتفاق لوقف الحرب قد يكون أكثر تعقيداً من مجرد موافقة طرفي القتال على هدنة مؤقتة.
معضلة البرهان.. اتفاق ينهي الحرب أم تسوية تحفظ موقعه؟
وفق التحليل الذي يقدمه البرنامج، فإن تردد البرهان في الاستجابة لبعض المبادرات يرتبط بمخاوف من أن تؤدي التسوية إلى إخراجه من دائرة القرار، أو إلى نقل إدارة المرحلة المقبلة إلى سلطة مدنية لا تضمن له استمرار النفوذ الذي يتمتع به خلال الحرب.
وتشير الحلقة إلى أن عدداً من المبادرات التي جرى تداولها في مسارات التفاوض المختلفة طرح، بدرجات متفاوتة، فكرة إبعاد القيادات العسكرية المتحاربة عن إدارة المرحلة السياسية، وإتاحة المجال أمام إدارة مدنية تتولى قيادة الانتقال.
وتفسر الحلقة هذا الطرح باعتباره نقطة اصطدام مع حسابات البرهان، إذ ترى أن قبول وقف إطلاق النار قد يكون أقل صعوبة من القبول بترتيبات تحدد من يحكم السودان بعد توقف القتال.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: قد تتفق الأطراف على ضرورة وقف الحرب من حيث المبدأ، لكنها تختلف بصورة جوهرية بشأن شكل الدولة التي ستخرج منها، والجهات التي ستدير مؤسساتها، والضمانات التي ستحصل عليها القوى التي فقدت أو تخشى فقدان مواقعها.
فالهدنة العسكرية لا تحسم تلقائياً أسئلة السلطة، كما أن التوصل إلى تفاهمات بشأن وقف القتال لا يعني الاتفاق على شكل الحكومة المقبلة أو قواعد المشاركة السياسية أو العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى معالجة التداخل بين الملفين العسكري والسياسي، حتى لا تتحول الهدنة إلى فترة لإعادة ترتيب القوى استعداداً لجولة جديدة من الصراع.
لكن القول إن الحفاظ على المنصب هو السبب الوحيد أو الحاسم وراء مواقف البرهان يظل تفسيراً سياسياً يقدمه البرنامج، ولا يمكن اعتباره حقيقة نهائية من دون أدلة مباشرة أو مراجعة تفصيلية لمواقف القيادة من كل مبادرة على حدة.
الحركة الإسلامية.. نفوذ يطرح أسئلة بشأن استقلال القرار
تذهب الحلقة إلى أن الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني يمثلان، في تقديرها، أحد أبرز العوامل التي تعقد حسابات البرهان، مشيرة إلى أن أي اتفاق يستهدف إبعاد القوى المرتبطة بالنظام السابق عن مستقبل الدولة قد يضع قائد الجيش أمام ضغوط داخلية.
وبحسب رواية البرنامج، فإن البرهان يجد نفسه بين متطلبات التفاهم مع الوسطاء الدوليين من جهة، والحاجة إلى المحافظة على توازنات داخلية يرى البرنامج أن الحركة الإسلامية تؤثر فيها من جهة أخرى.
ويطرح هذا التصور سؤالاً أساسياً بشأن حدود استقلال القرار السياسي والعسكري داخل معسكر السلطة: إلى أي مدى تستطيع القيادة اتخاذ قرارات تتعلق بالتفاوض أو وقف إطلاق النار إذا كانت تلك القرارات تمس مصالح قوى نافذة داخل المعسكر نفسه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى طبيعة التحالفات التي تشكلت خلال الحرب، ومواقع القوى السياسية والأمنية والعسكرية داخل مؤسسات الدولة، ومدى تأثيرها في تحديد المواقف من التسوية.
لكن من الضروري التمييز بين وجود تيارات متعددة داخل المعسكر الواحد، وهو أمر شائع في الحروب والصراعات السياسية، وبين إثبات أن جهة محددة تسيطر بصورة كاملة على القرار أو تمنع القيادة من اتخاذ خيارات بعينها.
وتعرض الحلقة أن الحركة الإسلامية قد ترفض تسوية تؤدي إلى إبعادها عن المشهد، وأن هذا الاحتمال يشكل عاملاً مؤثراً في حسابات البرهان.
ومع ذلك، فإن السؤال السياسي يبقى مشروعاً: إذا كانت هناك قوى ترى أن بقاء نفوذها مرتبط باستمرار الوضع القائم، فهل تستطيع أي قيادة التوصل إلى تسوية من دون مواجهة اعتراضاتها أو التفاوض على ضمانات تتعلق بمستقبلها؟
إن خطورة هذه المعضلة تكمن في إمكانية تحول الخلاف بشأن شكل التسوية إلى عائق أمام وقف الحرب، بحيث يصبح مستقبل السلطة أكثر حضوراً في حسابات الأطراف من الحاجة إلى حماية المدنيين وإنهاء المعاناة الإنسانية.
من خلافات السلطة إلى مخاطر الانقسام الداخلي
لا تتوقف تداعيات التباينات الداخلية عند حدود التفاوض، بل قد تمتد إلى قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الحرب وتوحيد القرار السياسي والعسكري.
ففي ظروف النزاع، تصبح وحدة القيادة عاملاً مهماً في تحديد مسار العمليات العسكرية، كما تؤثر الخلافات السياسية في طبيعة الرسائل التي ترسلها السلطة إلى الوسطاء الإقليميين والدوليين.
وإذا تعارضت مصالح القوى المشاركة في المعسكر نفسه بشأن وقف إطلاق النار أو مستقبل الحكومة، فقد تجد القيادة نفسها مضطرة إلى الموازنة بين مطالب الخارج ومواقف الداخل، بما يحد من قدرتها على تقديم التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ.
لكن هذا الاحتمال لا يعني بالضرورة أن انقساماً حاسماً قد وقع بالفعل داخل معسكر السلطة. فالتباينات يمكن أن تُدار من خلال التفاوض الداخلي، وقد تؤدي أحياناً إلى تعديل المواقف بدلاً من تفجير الصراع بين مكونات المعسكر الواحد.
وتكمن أهمية المسألة في مدى انعكاس هذه الخلافات على القرار الفعلي. فالمعيار ليس وجود اختلافات في الرأي فحسب، وإنما ما إذا كانت تلك الاختلافات تمنع تنفيذ الالتزامات، أو تعطل المبادرات، أو تؤدي إلى تضارب واضح في المواقف الرسمية.
ومن هنا، فإن تقييم وضع البرهان داخل بورتسودان يحتاج إلى أدلة محددة بشأن طبيعة مراكز النفوذ، والجهات التي تملك التأثير في القرارات، وحدود العلاقة بين القيادة العسكرية والقوى السياسية التي تدعمها.
أما الاكتفاء بالحديث عن تمرد داخلي من دون تحديد أطرافه أو الوقائع التي تؤيده، فقد يحول التحليل إلى استنتاج يصعب التحقق منه، ويخلط بين التنافس السياسي والانقسام المؤسسي الفعلي.
حكومة كامل إدريس.. صراع الحصص يختبر تماسك المعسكر الحاكم
إلى جانب ملف العلاقة بين البرهان والحركة الإسلامية، تشير مقدمة الحلقة إلى خلافات تتعلق بالحكومة التي يقودها كامل إدريس، وبمطالب الحركات المسلحة بشأن المناصب والتمثيل داخل السلطة.
وتطرح هذه الإشارة ملفاً مهماً يتعلق بطبيعة التحالفات التي تتشكل في زمن الحرب، وكيف يمكن للمناصب الحكومية أن تتحول إلى محور للتنافس بين القوى المشاركة في المشهد السياسي والعسكري.
فالحركات المسلحة التي دخلت في تفاهمات سياسية مع السلطة قد ترى أن مشاركتها تمنحها حقاً في التمثيل داخل المؤسسات التنفيذية، بينما قد تطالب قوى أخرى بنصيب أكبر في المواقع التي تحدد النفوذ والقدرة على التأثير في القرار.
وفي المقابل، تواجه أي حكومة تتشكل في ظروف الحرب تحدياً يتمثل في التوفيق بين مطالب القوى المتحالفة معها، والحاجة إلى إدارة مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات والاستجابة للاحتياجات الإنسانية.
وتشير مقدمة الحلقة إلى رفض بعض الحركات المسلحة التنازل عن مناصبها، وإلى مطالبة حركات أخرى بنصيبها من السلطة. ويعكس هذا الطرح احتمال وجود تنافس على الحصص الحكومية.
ومع ذلك، فإن هذه المسألة تطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة الشراكة داخل السلطة: هل تستند المشاركة إلى برنامج واضح لإدارة الدولة وإنهاء الحرب، أم تتحول إلى مساومة على المناصب والنفوذ بين القوى المتحالفة؟
ولا يعني التنافس على التمثيل بالضرورة غياب الأهداف السياسية المشتركة، لكنه قد يصبح مصدراً للتوتر عندما تتقدم الحسابات التنظيمية على متطلبات إدارة الأزمة الوطنية.
وتزداد حساسية هذه الخلافات عندما تتزامن مع ضغوط دولية للانتقال إلى حكم مدني، ومع نقاشات بشأن إعادة بناء المؤسسات وترتيبات المرحلة التالية للحرب.
الرياض والوساطة.. تقاطع المصالح الخارجية مع حسابات الداخل
تربط الحلقة بين المشهد الداخلي وتحركات البرهان الخارجية، ولا سيما علاقته بالسعودية، التي تحظى بموقع مهم في مساعي الوساطة المتعلقة بالحرب السودانية.
ويشير عنوان البرنامج ومقدمته إلى تأجيل زيارة البرهان إلى الرياض، وإلى دور محتمل للمملكة في دعم تحركاته السياسية والدبلوماسية. كما يتضمن الفيديو خلافات حول الحدود البحرية والأراضي الزراعية، وحديثاً عن استياء سعودي من بعض المواقف الأمريكية.
غير أن الجزء المتاح لا يقدم أدلة تفصيلية مستقلة تثبت أسباب تأجيل الزيارة، أو طبيعة الاتفاقات المتعلقة بالحدود والأراضي، أو صحة الحديث عن تهديد سعودي بالانسحاب من مجموعة الوساطة الرباعية. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه النقاط باعتبارها ادعاءات وردت في طرح البرنامج، لا وقائع محسومة.
أما من الناحية السياسية، فإن العلاقة مع الرياض تكتسب أهمية بسبب دور السعودية في مسار جدة، وبسبب ارتباط استقرار السودان بأمن البحر الأحمر ومصالح المنطقة.
وتواجه أي وساطة تحدياً عندما تتباين حسابات الأطراف المحلية والإقليمية بشأن شكل التسوية، أو عندما تتعارض أولويات إنهاء الحرب مع اعتبارات النفوذ السياسي.
كما أن تعدد الوسطاء لا يضمن الوصول إلى اتفاق، إذا لم تتوافر رؤية مشتركة بشأن وقف القتال والعملية السياسية وآليات التنفيذ.
وفي هذا الإطار، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمستقبل العلاقات بين البرهان والرياض، بل بمدى قدرة الوساطة الإقليمية والدولية على التعامل مع التعقيدات الداخلية للسلطة السودانية، وعدم الاكتفاء بالتفاوض مع القيادات العسكرية من دون معالجة الخلافات السياسية التي قد تعطل أي اتفاق.
اتهامات إقليمية متبادلة.. هل تتسع دائرة الحرب؟
تتضمن مقدمة الحلقة إشارات إلى اتهامات من إثيوبيا لبورتسودان بالوقوف وراء تقرير معين، وإلى اتهامات وجهها الرئيس التشادي للسودان مع التلويح بالرد.
وتضع هذه الإشارات الحرب السودانية في سياق إقليمي أوسع، حيث يمكن لتبادل الاتهامات بين الدول أن يزيد التوتر ويعقد جهود الوساطة، خصوصاً إذا ارتبط بملفات أمن الحدود أو دعم أطراف النزاع أو حركة السلاح.
ومع ذلك، فإن احتمال اتساع تداعيات الحرب يظل من أبرز المخاوف المرتبطة باستمرارها؛ فالنزاعات الطويلة قد تؤثر في أمن الحدود، وتزيد الضغوط على دول الجوار، وتوسع دائرة التدخلات الخارجية.
ومن هنا، تصبح إدارة العلاقات الإقليمية جزءاً من تحديات السلطة السودانية، إلى جانب الخلافات الداخلية والضغوط الدبلوماسية المتعلقة بوقف القتال.
معركة البقاء أم البحث عن مخرج؟
تجمع الملفات التي تطرحها الحلقة بين سؤال الشرعية الخارجية، والخلافات حول مستقبل الحكم، والتنافس على المناصب، ودور القوى السياسية والعسكرية داخل معسكر السلطة.
وتشير هذه العناصر إلى أن أي تسوية لا بد أن تواجه مجموعة من المصالح المتشابكة، بعضها يتعلق بمستقبل القيادة العسكرية، وبعضها بمواقع القوى السياسية، وبعضها الآخر بحسابات الأطراف الإقليمية والدولية.
لكن استمرار هذه الحسابات في إعاقة الحل السياسي قد يجعل كلفة الحرب أكبر على المجتمع السوداني، الذي يدفع ثمن المواجهات من أمنه ومعيشته واستقراره.
ولا يمكن اختزال الأزمة في شخص واحد أو تنظيم واحد، كما لا يمكن تجاهل أثر مراكز النفوذ والتحالفات في تحديد مسار الحرب. فالتسوية المستدامة تتطلب معالجة الأسباب التي تدفع الأطراف إلى مواصلة القتال، ووضع ضمانات تمنع استخدام المؤسسات العسكرية والسياسية لإعادة إنتاج الصراع.
الاختبار الحقيقي أمام البرهان ومعسكر السلطة لا يتمثل في الحفاظ على تماسك التحالفات أو تأمين مواقع النفوذ فحسب، بل في القدرة على اتخاذ قرارات تفتح الطريق أمام وقف الحرب واستعادة الحياة السياسية. أما إذا ظلت حسابات البقاء وتوزيع المناصب تتقدم على بناء تسوية وطنية، فقد تتحول الخلافات الداخلية إلى عقبة إضافية أمام إنهاء الصراع، ويظل السودان عالقاً بين حرب لم تنتهِ وسلطة لم تحسم شكل المستقبل الذي تريد أن تقود البلاد إليه.
