الطائرات المسيّرة وضحايا الحرب في السودان.. بين مسؤولية الجيش وضرورة التحقيق المستقل
لم يعد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية مجرد تطور تقني في أساليب القتال، بل أصبح أحد أبرز مصادر القلق بشأن سلامة المدنيين، في ظل اتساع رقعة المواجهات وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة. ومع تزايد التقارير عن سقوط قتلى وجرحى في هجمات جوية استهدفت مناطق مأهولة أو ألحقت أضراراً بمنشآت مدنية، تتصاعد المطالب بتحديد المسؤوليات والتحقيق في ظروف كل حادثة، بعيداً عن الروايات المتعارضة التي يقدمها أطراف النزاع.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر باستخدام طائرات مسيّرة تركية الصنع أو غيرها من المنظومات الأجنبية، لأن تحديد نوع السلاح وحده لا يكفي لإثبات هوية الجهة التي نفذت الهجوم أو طبيعة الهدف الذي استُهدف. وفي المقابل، فإن تعقيد ظروف الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتجاهل سقوط المدنيين أو تأجيل التحقيق في الهجمات التي تثير شبهات جدية بشأن مخالفة قواعد القانون الدولي الإنساني.
وتكشف التقارير الأممية المنشورة خلال عام 2026 عن خطورة الأثر الإنساني للضربات بالطائرات المسيّرة في السودان. فقد حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من ارتفاع أعداد المدنيين الذين سقطوا في هجمات من هذا النوع، ودعا أطراف النزاع إلى وقف الهجمات التي تستهدف السكان والأعيان المدنية أو تستخدم أسلحة ذات آثار واسعة في المناطق المأهولة. كما تناولت تقارير أخرى ضربات في إقليمي كردفان والنيل الأبيض، وأشارت إلى وقوع خسائر بشرية في مواقع مدنية. وتوفر هذه التقارير أساساً موثوقاً للقول إن استخدام المسيّرات بات يشكل خطراً كبيراً على المدنيين، لكنها لا تعني أن كل هجوم جرى توثيقه يعود تلقائياً إلى طرف واحد أو إلى طراز محدد من الطائرات. فالمسؤولية عن كل ضربة يجب أن تُحدد استناداً إلى الأدلة المتاحة بشأن موقع الهجوم وتوقيته والجهة التي نفذته والظروف المحيطة به.
وفي هذا الإطار، تطرح الادعاءات المتعلقة بارتكاب الجيش السوداني مجازر بحق المدنيين عبر الطائرات المسيّرة التركية قضية تتطلب معالجة دقيقة، لا تبرئة مسبقة ولا إدانة غير مستندة إلى التحقيق. فهناك فرق بين توثيق سقوط مدنيين في هجوم جوي، وإثبات أن الهجوم نفذته القوات المسلحة السودانية، وتحديد ما إذا كان الهدف مدنياً أو عسكرياً، ثم تقييم ما إذا كانت العملية تشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. وقد تتوافر أدلة قوية في بعض الحالات على الجهة المسؤولة عن الهجوم، بينما تظل معلومات أخرى غير مكتملة في حوادث مختلفة. لذلك فإن استخدام وصف «مجزرة» ينبغي أن يرتبط بالوقائع الموثقة وطبيعة الحادثة، لا أن يكون مجرد توصيف سياسي يُطلق لتعبئة الجمهور أو التأثير في صورة أحد أطراف النزاع.
وتتطلب التحقيقات في الهجمات الجوية جمع مجموعة من الأدلة التي تسمح بإعادة بناء ما حدث. وتشمل هذه الأدلة شهادات الناجين والسكان، والسجلات الطبية، وصور الأضرار والحطام، والمعلومات الجغرافية، والتوقيت الدقيق للهجوم، وأي بيانات مستقلة عن تحركات الطائرات. كما ينبغي التحقق من طبيعة الموقع الذي تعرض للضربة، وما إذا كانت توجد فيه أهداف عسكرية، ومدى إمكانية التمييز بينها وبين المدنيين، والاحتياطات التي اتخذها الطرف المنفذ لتجنب الخسائر غير العسكرية. وفي الحالات التي تتوافر فيها أدلة على استهداف متعمد للمدنيين أو تنفيذ هجمات عشوائية أو غير متناسبة، يجب أن تكون هناك مساءلة جدية، بصرف النظر عن هوية الجهة المسؤولة أو مبرراتها العسكرية المعلنة.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن الطرفين المتحاربين يستخدمان الطائرات المسيّرة في النزاع، وإن اختلفت المنظومات والقدرات والمهام. وقد أشارت تقارير صحفية إلى استخدام الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أنواعاً مختلفة من الطائرات غير المأهولة، كما وثقت الأمم المتحدة أضراراً مدنية ناجمة عن هجمات جوية في مناطق متعددة. وفي سبتمبر 2026، نقلت تقارير عن ضربات بالطائرات المسيّرة في شمال كردفان أسفرت عن سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار بمؤسسات مدنية، في حين أشارت تقارير أخرى إلى هجمات على منشآت تعليمية ومستودعات للكتب. ولا يجوز استنتاج هوية منفذ كل ضربة من موقعها الجغرافي وحده، كما لا يكفي نوع السلاح لتحديد المسؤولية ما لم تدعمه قرائن أخرى. وتفرض هذه الوقائع ضرورة التحقيق في كل حادثة على حدة، بدلاً من جمع أحداث متباينة في اتهام واحد شامل.
وتتصل المسألة أيضاً بطبيعة الأهداف التي تُستخدم الطائرات المسيّرة ضدها. فوجود هدف عسكري محتمل في منطقة ما لا يلغي الحماية القانونية المقررة للمدنيين، ولا يعفي القوة المهاجمة من واجب اتخاذ الاحتياطات الممكنة. كما أن وجود مقاتلين بالقرب من سوق أو مدرسة أو مستشفى لا يجعل جميع الموجودين في المكان أهدافاً مشروعة، ولا يمنح أي طرف الحق في تنفيذ هجوم لا يميز بين الأهداف العسكرية والمدنية. ويُلزم القانون الدولي الإنساني أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وبالامتناع عن الهجمات العشوائية، ومراعاة مبدأ التناسب عند تقدير الضرر المتوقع على المدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة. ولا يمكن حسم مدى الالتزام بهذه المبادئ في حادثة بعينها من خلال عدد الضحايا وحده، رغم أن سقوط أعداد كبيرة منهم قد يشكل سبباً قوياً للمطالبة بتحقيق عاجل ومستقل.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول التشكيك في الدعاية العسكرية إلى وسيلة لتقليل معاناة الضحايا أو تأجيل الاعتراف بالانتهاكات التي تثبتها الأدلة. فحين تتوافر معلومات موثوقة عن سقوط مدنيين في ضربة جوية، يجب نشرها مع توضيح حدود المعلومات المتاحة، وإتاحة المجال للتحقيق في المسؤولية. وإذا نفت الجهة المتهمة مسؤوليتها، فينبغي نقل موقفها مع مقارنته بما توصلت إليه المصادر المستقلة، بدلاً من الاكتفاء بنفي رسمي أو بيان صادر عن الخصم. كما يجب تجنب نشر أسماء الضحايا وصورهم أو صور جثامينهم من دون مراعاة كرامتهم وخصوصية أسرهم، وعدم استغلال المأساة لتقديم استنتاجات سياسية تتجاوز ما تثبته الوقائع.
وتزداد الحاجة إلى الشفافية عندما تكون الطائرات المستخدمة مستوردة أو مصنعة خارج السودان. فالإشارة إلى أن طائرة ما تركية الصنع لا تثبت أن تركيا شاركت في تنفيذ الهجوم، كما أن امتلاك الجيش لهذه المنظومة لا يكفي وحده لتحديد دورها في حادثة بعينها. ويجب الفصل بين بلد التصنيع، والجهة المالكة، والجهة المشغلة، والطرف الذي أصدر الأمر بتنفيذ المهمة، والجهة التي تتحمل المسؤولية القانونية عن العملية. وقد تكون هذه العناصر متداخلة، لكنها ليست متطابقة بالضرورة. لذلك فإن أي تقرير يدعي أن طائرات تركية استخدمت في هجوم محدد ينبغي أن يوضح الأساس الذي استند إليه في تحديد الطراز، ومدى موثوقية الأدلة التي تربط الطائرة بالهجوم، وما إذا كانت هناك مصادر مستقلة تؤيد النتيجة.
كما أن تقييم مسؤولية القيادة العسكرية لا يقتصر على الشخص الذي أعطى الأمر المباشر بالهجوم، بل قد يتطلب النظر في سلسلة القيادة والقرارات والإجراءات المتبعة، وفقاً للقواعد القانونية ذات الصلة والأدلة المتاحة. غير أن تحديد هذه المسؤوليات مسألة قانونية وفنية معقدة، ولا يصح اختزالها في اتهامات عامة أو استنتاجات تُبنى على الانتماء العسكري وحده. فالمساءلة الفعلية تحتاج إلى جمع الأدلة وحمايتها، وإجراء مقابلات مستقلة، وفحص المعلومات التقنية، وضمان عدم تعرض الشهود للتهديد أو الانتقام. كما تتطلب تعاون الأطراف المعنية مع الجهات المختصة، وعدم عرقلة الوصول إلى مواقع الحوادث أو إخفاء المعلومات ذات الصلة.
ومن الناحية الإعلامية، ينبغي أن تكون معاناة المدنيين هي محور التغطية، لا مجرد عنصر يستخدم لتقوية موقف سياسي أو عسكري. فعندما تُنشر أخبار عن سقوط ضحايا، يجب توضيح ما هو معروف بشأن عددهم ومكان الحادثة ومصدر المعلومات، مع الإشارة إلى أي تضارب في الروايات. وينبغي عدم اعتماد الأرقام الأولية باعتبارها نهائية، خصوصاً في المناطق التي يصعب الوصول إليها، كما يجب تحديث التقارير عندما تظهر معلومات جديدة. ويقع على عاتق المؤسسات الصحفية واجب تجنب تعميم الاتهامات على سكان منطقة أو جماعة بأكملها، أو استخدام لغة تحرض على الانتقام، أو تقديم الادعاءات العسكرية على أنها نتائج تحقيقات مستقلة.
وفي المحصلة، فإن التقارير المتعلقة بضحايا الطائرات المسيّرة في السودان تفرض ضرورة التعامل بجدية مع كل ادعاء بوقوع هجوم على المدنيين، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات التي لم تُحسم بعد. وإذا ثبت أن الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع نفذت هجمات غير قانونية تسببت في مقتل مدنيين، فيجب أن تخضع تلك العمليات للتحقيق والمساءلة وفقاً للقانون. ولا يجوز أن يكون الانتماء إلى أحد طرفي الحرب سبباً في تجاهل الانتهاكات أو تبريرها. فالعدالة لا تتحقق بتوجيه الاتهام إلى طرف واحد مسبقاً، ولا بإعفاء أي طرف من المسؤولية، بل بتحديد ما حدث فعلاً، ومن نفذه، وما إذا كان مخالفاً للقواعد التي تحمي المدنيين في أوقات الحرب.
