حصري

إشادة روسية بالوساطة الإماراتية.. 270 أوكرانيا يعودون من الأسر

تبادل الأسرى بين موسكو وكييف يعزز الوساطة الإماراتية وسط استمرار الحرب


أعاد نجاح الوساطة الإماراتية بين روسيا وأوكرانيا في تبادل 540 أسيراً، يوم 23 أكتوبر 2026، تسليط الضوء على أهمية المسارات الدبلوماسية المحدودة في إدارة النزاعات الدولية، خصوصاً عندما تتعذر التسويات السياسية الشاملة وتستمر المواجهات العسكرية بين الأطراف المتحاربة. وأعلنت وزارة الخارجية الإماراتية أن جهود الوساطة أسفرت عن الإفراج عن 270 شخصاً من كل جانب، في عملية أكدت موسكو وكييف تنفيذها، وإن اختلفت التفاصيل التي قدمها كل طرف بشأن هوية المفرج عنهم وتصنيفهم. ويمنح الاتفاق الإمارات فرصة جديدة لإظهار قدرتها على تسهيل تفاهمات عملية بين دولتين تخوضان حرباً ممتدة، فيما يوضح أن التواصل الدبلوماسي يمكن أن يستمر في ملفات محددة رغم استمرار الخلافات المتعلقة بالأمن والأراضي ومستقبل العلاقة بين الطرفين.

ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية لأن عمليات تبادل الأسرى ترتبط مباشرة بحسابات الدولتين السياسية والعسكرية والإنسانية. فبالنسبة إلى روسيا وأوكرانيا، تمثل عودة العسكريين المحتجزين قضية تحظى باهتمام رسمي وشعبي، كما ترتبط بالتزامات الدول تجاه جنودها وبمطالب الأسر التي تنتظر عودة أبنائها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل الاتفاق عن السياق الأوسع للحرب، لكنه في الوقت نفسه لا يعني أن موسكو وكييف توصلتا إلى تفاهم بشأن القضايا التي تؤجج الصراع. فالتبادل يعالج ملفاً محدداً، بينما تظل المسائل الاستراتيجية مفتوحة على خلافات معقدة، وهو ما يجعل نجاح الوساطة مهماً من الناحية العملية من دون أن يكون دليلاً على تحول شامل في مسار الحرب.

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عودة 270 أوكرانياً، واصفاً العملية بأنها نتيجة بالغة الأهمية. وأوضح أن المفرج عنهم ينتمون إلى تشكيلات عسكرية متعددة، تشمل الحرس الوطني وحرس الحدود والقوات البحرية والبرية وقوات الدفاع الإقليمي وقوات الإنزال الجوي وخدمة النقل الخاصة الحكومية، إضافة إلى تسعة مدنيين. كما ذكر أن معظم العائدين كانوا محتجزين منذ عام 2022، وأن غالبية العسكريين بينهم شاركوا في الدفاع عن ماريوبول، فضلاً عن مشاركين في المعارك بمناطق دونيتسك ولوغانسك وخاركيف وزابوريجيا وخيرسون وكييف وميكولايف وتشيرنيهيف. وتعكس هذه التفاصيل اتساع نطاق العملية، كما توضح أن نتائجها امتدت إلى أشخاص ارتبطت تجاربهم بمراحل وجبهات متعددة من الحرب.

وفي المقابل، أكدت وزارة الدفاع الروسية استعادة 270 عسكرياً روسياً مقابل تسليم 270 عسكرياً أوكرانياً كانوا محتجزين لديها، مشيدة بالدور الإنساني لدولة الإمارات في تسهيل عودة العسكريين الروس. وذكرت أن العسكريين العائدين موجودون في بيلاروسيا لتلقي الرعاية الطبية والنفسية اللازمة، تمهيداً لنقلهم إلى روسيا لاستكمال العلاج وإعادة التأهيل داخل المنشآت الطبية التابعة للوزارة، فيما تتولى مفوضة حقوق الإنسان الروسية يانا لانتراتوفا متابعة أوضاعهم. ويكشف الإعلان الروسي عن أهمية الإجراءات التي تعقب التبادل، إذ إن وصول المحتجزين إلى بلدهم لا ينهي بالضرورة احتياجاتهم الصحية والنفسية، بل يفتح مرحلة جديدة تتطلب توفير الرعاية وإعادة التأهيل ومتابعة أوضاعهم بعد فترة الاحتجاز.

ويشير اختلاف توصيف الفئات المفرج عنها إلى استمرار الفوارق في الروايتين الرسميتين، حتى عندما يتفق الطرفان على العدد الإجمالي للعملية. فقد تحدث الإعلان الأوكراني عن 270 شخصاً بينهم تسعة مدنيين، في حين ركز الإعلان الروسي على العسكريين الذين استعادتهم موسكو وعلى التبادل العسكري المقابل. ولا يقتضي هذا الاختلاف افتراض وجود تناقض في الأرقام، لكنه يوضح أن البيانات الرسمية لكل طرف تنطلق من زاوية مختلفة، وأن التفاصيل المتعلقة بالمدنيين والعسكريين تظل ذات أهمية قانونية وإنسانية. كما أن التمييز بين العدد الإجمالي وصفة كل مفرج عنه يساعد على فهم طبيعة الاتفاق، ويؤكد ضرورة توخي الدقة عند نقل المعلومات المتعلقة بعمليات التبادل.

ومن الناحية السياسية، يمكن النظر إلى نجاح الوساطة الإماراتية باعتباره دليلاً على استمرار إمكانية التوصل إلى تفاهمات جزئية بين موسكو وكييف، حتى عندما لا يكون الاتفاق الشامل قريباً. فالوساطة في ملف الأسرى تختلف عن التفاوض على وقف إطلاق النار أو التسوية النهائية، لأنها تركز على هدف محدد يمكن الاتفاق بشأنه من دون حسم جميع الخلافات الأخرى. وتتيح هذه الطبيعة للأطراف اتخاذ خطوات عملية تخدم مصالحها الإنسانية والسياسية، مع الاحتفاظ بمواقفها بشأن القضايا الاستراتيجية. غير أن هذا المسار يظل بحاجة إلى متابعة مستمرة، لأن نجاح عملية واحدة لا يضمن تلقائياً تكرارها، كما أن أي تصعيد عسكري أو خلاف بشأن القوائم والإجراءات قد يؤثر في فرص تنفيذ اتفاقات لاحقة.

وتمنح العملية الإمارات دوراً دبلوماسياً قائماً على تسهيل التواصل وإيجاد مساحة للتفاهم في ملف بالغ الحساسية. وتكمن أهمية هذا الدور في أن الوسيط يحتاج إلى التعامل مع احتياجات متعارضة، والتوفيق بين تفاصيل الاتفاق ومتطلبات التنفيذ، وضمان انتقال التفاهمات من مرحلة الإعلان إلى مرحلة الإفراج الفعلي. كما أن الوساطة الناجحة تتطلب قدراً من الاستمرارية، لأن ملفات الأسرى غالباً ما تشمل أعداداً إضافية من المحتجزين، وحالات فردية معقدة، ومطالب تتعلق بالمفقودين وظروف الاحتجاز. ومن هنا، فإن قيمة الدور الإماراتي لا تتوقف عند إنجاز تبادل 540 شخصاً، بل تشمل إمكان استمرار الاتصالات بشأن عمليات جديدة وتوسيع نطاق الجهود الإنسانية عندما تتوافر الظروف المناسبة.

وتبرز ماريوبول بوصفها إحدى النقاط الأساسية في التفاصيل التي أعلنتها كييف، بعدما أشارت إلى أن غالبية العائدين كانوا من المقاتلين الذين دافعوا عن المدينة. ويمنح الإفراج عن هؤلاء العملية بعداً رمزياً لدى الجانب الأوكراني، بالنظر إلى مكانة المدينة في الذاكرة الوطنية وفي مسار الحرب. كما أن عودة أشخاص احتُجزوا منذ عام 2022 تعيد ملف الأسرى إلى واجهة النقاش بشأن طول فترات الاحتجاز وأوضاع المقاتلين بعد انتهاء المعارك التي شاركوا فيها. وذكر زيلينسكي كذلك أن عدداً كبيراً من المفرج عنهم صدرت بحقهم أحكام قضائية في روسيا وصفها بأنها غير قانونية، إضافة إلى خمسة أشخاص نجوا من الهجوم على مركز احتجاز أولينيفكا في يوليو 2022، وهو ما يبرز استمرار الخلاف بشأن الوقائع المرتبطة بظروف الاحتجاز والمسؤولية عنها.

ولا تقتصر الأبعاد السياسية للاتفاق على ما حققه للطرفين، بل تمتد إلى الرسالة التي يوجهها بشأن إمكان إبقاء الملفات الإنسانية خارج دائرة التعطيل الكامل. فالحروب الطويلة تنتج عادة ملفات متشابكة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والقانونية والدبلوماسية، وقد يصبح كل ملف رهينة للخلافات المحيطة بالملفات الأخرى. أما الاتفاقات المحددة، مثل تبادل الأسرى، فتتيح فرصة للتعامل مع جانب من المعاناة من دون انتظار حل جميع المسائل العالقة. ومع ذلك، فإن حماية هذا المسار تتطلب استعداداً من الطرفين للفصل بين الأهداف الإنسانية والحسابات العسكرية الآنية، وعدم التعامل مع الإفراج عن المحتجزين باعتباره مجرد أداة ضغط في المفاوضات.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية مواصلة العمل على أوضاع الأسرى الذين لم تشملهم العملية، وعلى مصير المفقودين، وعلى توفير المعلومات التي تحتاج إليها العائلات لمعرفة مصير ذويها. وقد أكد زيلينسكي استمرار الجهود لإعادة جميع المحتجزين الأوكرانيين، وهو موقف يعكس أن التبادل الأخير يمثل خطوة ضمن ملف أوسع لا يزال مفتوحاً. وتحتاج المعالجة المستدامة إلى آليات تتيح تبادل البيانات، وتوضيح حالات الاحتجاز والإفراج، ومتابعة الاحتياجات الصحية، والنظر في المطالب الإنسانية والقانونية التي تظل قائمة بعد كل عملية. ومن شأن استمرار التفاهمات أن يساعد على بناء قدر من الثقة العملية، حتى إذا ظلت الثقة السياسية بين الحكومتين محدودة أو غائبة.

ومع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة في دلالات الاتفاق، لأن تبادل الأسرى لا يقدم بحد ذاته مؤشراً كافياً على قرب وقف الحرب أو حدوث تغير في أهدافها الاستراتيجية. فالصراع لا يزال مرتبطاً بخلافات أوسع من الملف الإنساني، ولا يمكن لعملية تبادل واحدة أن تحسم مسائل الأراضي أو الترتيبات الأمنية أو مستقبل العلاقات الثنائية. لكن التقليل من أهمية الاتفاق سيكون بدوره غير دقيق، إذ إن الإفراج عن مئات الأشخاص يمثل نتيجة عملية ملموسة، ويؤكد أن العمل الدبلوماسي يمكن أن يحقق مكاسب محددة حتى في ظل النزاعات الممتدة. وتكمن المعادلة الأساسية في الحفاظ على هذه النتائج وتوسيعها، مع إدراك أن الطريق إلى التسوية الشاملة يحتاج إلى مسارات سياسية وأمنية أكثر اتساعاً وتعقيداً.

وفي المحصلة، يعكس تبادل 540 أسيراً بين روسيا وأوكرانيا نجاحاً جديداً للوساطة الإماراتية في ملف إنساني حساس، ويؤكد أن القنوات الدبلوماسية لا تزال قادرة على إنتاج تفاهمات محددة رغم استمرار الحرب. وبينما تواصل موسكو وكييف تقديم روايتيهما بشأن المفرج عنهم وظروف احتجازهم، فإن الاتفاق يظل خطوة مهمة لإعادة أشخاص إلى بلدانهم وأسرهم، ويفتح المجال أمام جهود إضافية لمعالجة ملف المحتجزين. ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا الإنجاز إلى مسار مستمر، لا يقتصر على التبادل المتقطع، بل يمتد إلى حماية الأسرى وتحسين ظروف الاحتجاز وتوضيح مصير المفقودين. وفي الوقت نفسه، تظل الحاجة قائمة إلى تحرك سياسي أوسع يعالج أسباب النزاع ويحد من استمرار الخسائر البشرية.

زر الذهاب إلى الأعلى