شمال كردفان تكشف هشاشة رواية إسقاط المسيّرات وتطرح أسئلة عن خسائر الجيش السوداني
تحولت الطائرات المسيّرة إلى أحد أبرز عناصر المواجهة العسكرية في السودان، ولم تعد أخبار إسقاطها أو تدميرها مجرد تفاصيل عابرة في نشرات العمليات، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع تتداخل فيها الحسابات الميدانية مع الحرب الإعلامية ومحاولات التأثير في معنويات القوات والرأي العام. وفي ولاية شمال كردفان، حيث تتواصل المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على طرق الإمداد والمناطق الاستراتيجية، تثير الأخبار المتداولة بشأن إسقاط الطائرات المسيّرة أسئلة تتجاوز الإعلان العسكري نفسه، لتشمل هوية الطائرات، والجهة التي كانت تشغلها، ومدى دقة الروايات الرسمية، وما إذا كانت الخسائر المعلنة تعكس حقيقة ميزان القدرات في ساحة القتال.
ففي الحروب الحديثة، لا تكفي صورة حطام طائرة لإثبات جميع التفاصيل التي تُنسب إليها، كما لا يكفي بيان صادر عن طرف مشارك في المعارك لتحديد المسؤولية النهائية عن إسقاطها أو معرفة ظروف العملية التي انتهت بسقوطها. وتزداد أهمية هذا التمييز في السودان، حيث تعتمد الأطراف المتحاربة على البيانات المقتضبة والمقاطع المصورة والتصريحات العسكرية لتقديم صورة تخدم أهدافها السياسية والميدانية. ومن ثم، فإن التعامل مع الأخبار المتداولة بشأن خسائر الطائرات المسيّرة التابعة للجيش أو الدعم السريع يتطلب فحص الأدلة المتاحة، بدلاً من الاكتفاء بتكرار الروايات التي تصدر عن الجهات المتحاربة.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن تمكّن قوات الدعم السريع من إسقاط طائرات مسيّرة تركية تابعة للجيش السوداني في محاور شمال كردفان يحتاج إلى أدلة محددة تبيّن نوع الطائرات، وتاريخ الحوادث، ومواقع سقوطها، وطبيعة الأضرار التي لحقت بها. وقد نشرت قوات الدعم السريع في مناسبات سابقة بيانات تزعم فيها إسقاط طائرات تركية الصنع من طراز «بيرقدار»، غير أن صدور الادعاء عن طرف في الحرب لا يجعله دليلاً مستقلاً على صحته. كما أن تعدد أنواع الطائرات المستخدمة في النزاع يفرض ضرورة عدم الخلط بين الطائرات التركية وغيرها من الأنظمة الجوية الأجنبية التي ظهرت في التقارير المتعلقة بالعمليات العسكرية السودانية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الأخبار المتعلقة بالطائرات المسيّرة غالباً ما تُقدَّم بلغة انتصارية، إذ يجري تصوير إسقاط طائرة واحدة باعتباره تحولاً حاسماً في موازين القوة، بينما قد يكون الحادث، إذا ثبت وقوعه، محدود الأثر من الناحية العملياتية. فالتقييم العسكري لا يقوم على عدد الطائرات التي أُعلن إسقاطها وحده، وإنما يعتمد أيضاً على طبيعة المهمة التي كانت تنفذها، وقيمة المعدات التي فقدت، وقدرة الطرف المتضرر على تعويضها، ومدى تأثير الحادث في العمليات اللاحقة. ومن دون هذه المعطيات، يصعب الانتقال من واقعة محتملة إلى استنتاج شامل بشأن تفوق أحد الطرفين أو انهيار قدرات الطرف الآخر.
وتشير التقارير المنشورة خلال الأشهر الماضية إلى أن الجيش السوداني أعلن إسقاط طائرات مسيّرة من طراز «إف إتش-95» في مناطق مختلفة من كردفان. ووفق تقارير إعلامية، فإن هذا الطراز صيني الصنع، ومخصص لمهام الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية، وليس من الدقة وصفه تلقائياً بأنه طائرة تركية. وقد نقلت وكالة الأناضول، في تقرير منشور في الخامس من أكتوبر 2026، إعلان الجيش إسقاط طائرة من هذا النوع في غرب كردفان، مشيرة إلى أن الجيش سبق أن أعلن إسقاط خمس طائرات مماثلة في شمال كردفان خلال فترة تقل عن شهر. وتؤكد هذه المعلومات أهمية الفصل بين نوع الطائرة والجهة التي يُعتقد أنها تشغلها، لأن الخلط بينهما يضعف أي تحليل يراد منه تحديد حجم الخسائر أو طبيعة القدرات العسكرية المستخدمة.
ومن هنا، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بما إذا كانت طائرات قد سقطت، بل أيضاً بمدى قدرة الجيش السوداني على الحفاظ على منظومته الجوية وتشغيلها بكفاءة في ظروف قتال تتسم بتغير خطوط المواجهة واتساع مسارح العمليات. فالطائرات المسيّرة، مهما بلغت تقنيتها، ليست أدوات تعمل بصورة مستقلة عن المنظومة البشرية واللوجستية التي تديرها. إنها تحتاج إلى تخطيط للمهمات، وإعداد للرحلات، وصيانة دورية، واتصالات موثوقة، وتنسيق مع القوات البرية، فضلاً عن تقدير المخاطر التي قد تواجهها أثناء تنفيذ العمليات. وأي خلل في هذه العناصر يمكن أن يرفع احتمالات الفشل، حتى عندما تكون المعدات نفسها متطورة.
وإذا ثبت أن طائرات مسيّرة تابعة للجيش سقطت بفعل نيران معادية أو نتيجة أعطال تشغيلية، فإن لكل حالة تفسيراً مختلفاً ينبغي تحديده قبل إصدار الأحكام. فالإسقاط بواسطة دفاعات الخصم قد يشير إلى تطور في قدراته على الرصد والاعتراض، في حين قد يرتبط السقوط بعطل فني أو خطأ في التشغيل أو فقدان الاتصال أو ظروف الطيران. ولا يمكن جمع هذه الاحتمالات في تفسير واحد، أو اعتبارها جميعاً دليلاً على ضعف القيادة العسكرية، من دون بيانات فنية وتحقيقات مستقلة. لكن في المقابل، فإن تكرار الحوادث المثبتة، إذا حدث، يبرر المطالبة بمراجعة الإجراءات التشغيلية ومدى استعداد الوحدات المختصة للتعامل مع التهديدات.
وتكشف المعركة حول الروايات العسكرية عن مشكلة أخرى، تتمثل في ميل الأطراف المتحاربة إلى عرض الخسائر التي يتكبدها الخصم باعتبارها دليلاً على انهياره، بينما تُقدَّم خسائرها هي بوصفها حوادث محدودة أو تفاصيل لا تستحق التوقف عندها. وهذه الازدواجية تجعل المتابع أمام روايتين متعارضتين، لكل منهما مفرداتها وأهدافها، فيما تبقى الوقائع الكاملة غائبة عن الجمهور. ولا يمكن تجاوز هذه المشكلة إلا بإعطاء الأولوية للتحقق المستقل، ومقارنة التصريحات الصادرة عن الأطراف مع الأدلة البصرية والمعلومات الميدانية والتقارير التي يمكن تحديد مصادرها وتاريخها.
وتزداد خطورة هذه الحرب الإعلامية عندما تصبح أخبار إسقاط المسيّرات وسيلة لصرف الانتباه عن النتائج الإنسانية للعمليات العسكرية. فالمواطن السوداني الذي يعيش تحت القصف لا تعنيه الدعاية الانتصارية بقدر ما يعنيه معرفة ما إذا كان منزله أو سوقه أو مدرسته أو مركزه الصحي معرضاً للهجوم. كما أن الإعلان عن تدمير طائرة لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بالأهداف التي كانت تضربها الطائرات الأخرى، ولا عن التدابير التي اتخذها المقاتلون لتجنب سقوط ضحايا مدنيين. ولهذا ينبغي أن تتعامل التغطية الإعلامية مع أخبار الخسائر العسكرية والضحايا المدنيين باعتبارهما مسارين مترابطين، من دون السماح لأحدهما بإلغاء الآخر.
وفي الثالث والعشرين من أكتوبر 2026، حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من تصاعد هجمات المسيّرات في السودان، وقال إن مكتب المفوضية وثّق مقتل ما لا يقل عن 306 أشخاص وإصابة مئات آخرين خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر. وأوضح أن الضربات المنسوبة إلى الطرفين طالت منازل وأسواقاً ومرافق طبية ومواقع لإيواء النازحين وبنى تحتية أساسية. ولا يثبت هذا الرقم وحده مسؤولية جهة بعينها عن كل حادث، لكنه يوضح حجم الخطر الذي تفرضه الحرب الجوية على المدنيين، ويجعل التحقق من تفاصيل العمليات مسألة تتعلق بحماية السكان والمساءلة، لا بمجرد المنافسة على تسجيل الانتصارات.
وبناءً على ذلك، فإن الأخبار المتداولة عن إسقاط طائرات مسيّرة تركية تابعة للجيش السوداني في شمال كردفان ينبغي أن تُقرأ ضمن سياق أوسع يتضمن طبيعة الطائرات المستخدمة، وتعدد مصادر المعلومات، واحتمال تضارب الروايات، وضرورة التمييز بين الخسائر المثبتة والادعاءات غير المؤكدة. وإذا كانت هناك أدلة موثوقة على إسقاط طائرات تابعة للجيش، فإن نشرها وتحديد نوعها وظروف سقوطها سيتيحان فهماً أفضل للمشهد العسكري. أما الاكتفاء بالعناوين المثيرة، من دون صور قابلة للتحقق أو بيانات فنية أو مصادر مستقلة، فيحوّل الخبر إلى أداة تعبئة سياسية أكثر منه مادة إعلامية تساعد الجمهور على فهم ما يجري.
وفي المحصلة، لا تُقاس كفاءة أي قوة عسكرية بعدد البيانات التي تصدرها عن تدمير معدات الخصم، بل بقدرتها على تنفيذ مهامها، وحماية قواتها، والالتزام بالقواعد التي تحكم النزاعات المسلحة. كما لا يمكن استنتاج ضعف طرف أو تفوق الآخر من حادثة واحدة أو مجموعة أخبار غير مكتملة. إن شمال كردفان تقدم مثالاً واضحاً على ضرورة إخضاع الروايات العسكرية للتدقيق، ومساءلة القيادات عن نتائج العمليات، وإبقاء الأثر الإنساني في صلب التغطية. فالحقيقة في زمن الحرب لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالأدلة القابلة للفحص، والاعتراف بما هو معلوم، وعدم تقديم ما لم يثبت بعد باعتباره حقيقة نهائية.
