الشرق الأوسط

الصندوق الأسود يفجر صراع النفوذ في العراق.. مَن يملك مفاتيح الأمن؟


كشفت مصادر أمنية عراقية عن تصاعد صراع داخلي بين قيادات هيئة الحشد الشعبي وفصائل مسلحة نافذة للسيطرة على المديرية العامة للأمن والانضباط، وصل إلى تقديم رئيس أركان الحشد عبد العزيز المحمداوي، المعروف بـ”أبي فدك”، مقترحاً مكتوباً لنقل تبعية المديرية إلى رئاسة الأركان، قبل أن يتدخل رئيس الوزراء علي الزيدي بتوجيه حكومي لتجميد أي تغيير في هيكليتها أو قياداتها.

وقالت المصادر المطلعة على تفاصيل ما يجري، إن الخلاف يتمحور بين رئيس الهيئة فالح الفياض، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، في ظل تنافس متصاعد على الجهاز الذي يتولى ملفات الأمن والانضباط والتحقيقات الداخلية، بالتزامن مع الضغوط الحكومية لحصر السلاح بيد الدولة.

وأوضحت أن الزيدي أصدر توجيهاً إدارياً داخلياً ملزماً بالإبقاء على الوضع التنظيمي القائم، ومنع رئاسة الأركان من تغيير مسؤولي الأقسام الأمنية دون موافقات خطية من رئاسة الهيئة والقائد العام للقوات المسلحة. 

ويضم الحشد الشعبي ما بين 200 و238 ألف منتسب ومسلح، موزعين على نحو 67 إلى 70 لواء، بحسب أرقام رسمية وإحصاءات منشورة.

وفي قلب الصراع الحالي، تبرز كتائب حزب الله التي تدير 3 ألوية هي 45 و46 و47، مقابل 3 ألوية لعصائب أهل الحق هي 41 و42 و43، إضافة إلى اللواء 48 الذي يُدار بوصفه قوة دعم واحتياط.

وتشير تقديرات منشورة إلى أن كل من الفصيلين يضم نحو 20 إلى 30 ألف مقاتل.

خطة أبي فدك للسيطرة 

بحسب المصادر، رفع أبو فدك، بدعم من كتائب حزب الله، مقترحاً رسمياً إلى الفياض ومكتب القائد العام للقوات المسلحة، يقضي بنقل المديرية العامة للأمن والانضباط من الإشراف المباشر لرئاسة الهيئة إلى رئاسة الأركان.

واستند المقترح إلى مبررات تتعلق بتوحيد القيادة العسكرية والأمنية ومنع ازدواجية الصلاحيات، غير أن مصادر مطلعة ترى أن تطبيقه سيمنح رئاسة الأركان نفوذاً أوسع على الملفات الاستخبارية والتحقيقات الداخلية وحركة المعلومات الأمنية داخل الحشد.

وتتمسك رئاسة الهيئة باستمرار ارتباط المديرية بها، وسط مخاوف من أن يؤدي إخضاعها للقيادة العسكرية إلى تركيز الصلاحيات الأمنية والعملياتية لدى جهة واحدة.

وأكدت المصادر أن أبا علي البصري، واسمه عدنان إبراهيم المحسني، لا يزال يتولى إدارة المديرية، ويحظى بدعم الفياض ومكتب رئيس الوزراء، اللذين يرفضان إجراء تغييرات في قيادتها خارج الموافقات الحكومية.

العصائب تنازع الكتائب

ولم يعد الصراع محصوراً بين الفياض وكتائب حزب الله، بعدما دخلت عصائب أهل الحق، بقيادة قيس الخزعلي، المنافسة على المناصب الحساسة داخل المديرية.

وقالت المصادر: إن العصائب طالبت بتمثيل أوسع في مواقع التحقيقات والملفات الخاصة ومعاونة مدير الأمن، وطرحت أسماء من قياداتها الأمنية، فيما جرى تداول اسم ليث الخزعلي ضمن المناقشات المتعلقة بإعادة توزيع النفوذ.

وأشارت إلى أن كتائب حزب الله اعترضت على منح العصائب مواقع تتيح لها الوصول إلى معلومات أمنية تتعلق بتحركات الفصائل ومواقعها اللوجيستية.

وترتبط هذه المنافسة، وفق المصادر، بتباين مواقف الفصائل من خطط حصر السلاح، إذ تخشى أطراف رافضة لتسليم أسلحتها أن تتحوّل مديرية الأمن إلى أداة لمراقبة أنشطتها، بينما تسعى أطراف أخرى إلى توسيع حضورها داخل المؤسسات الرسمية.

صدام مسلح وتدخل حكومي

وكشفت المصادر عن واقعة أمنية تعكس انتقال الخلاف من التنافس الإداري إلى مواجهة ميدانية، بعدما حاولت قوة تابعة للمديرية دخول مستودع لوجيستي مغلق في أطراف بغداد، للتحقق من إجراءات السلامة عقب الانفجارات الأخيرة التي شهدتها مواقع تخزين العتاد.

لكن عناصر مسلحين يتولون حماية المستودع منعوا القوة من الدخول وهددوها بالسلاح، ما استدعى تدخلاً سياسياً عاجلاً لاحتواء الموقف.

وتحدثت المصادر عن خلاف آخر بعدما رفضت المديرية تزويد جهة استخبارية مرتبطة بكتائب حزب الله ببيانات أمنية تخص منتسبين جدداً وترتيبات حماية مواقع لوجيستية في غرب العراق، معتبرة أن هذه المعلومات تخضع لصلاحيات رئاسة الهيئة والقيادة العامة.

وأوضحت المصادر أن التوجيه الذي أصدره الزيدي لم يكن أمراً ديوانياً منشوراً، وإنما قرار إداري داخلي ملزم، جاء بالتزامن مع مناقشات إعادة تنظيم الحشد وتشريعاته.

وبحسب المصادر، أبقى التوجيه المديرية تحت إشراف رئاسة الهيئة، وربط التحقيقات الأمنية الكبرى بالتنسيق مع مستشارية الأمن القومي، ومنع أي تغيير منفرد في قياداتها.

غير أن الإجراءات الحكومية لم تنه الخلاف، بل جمّدت محاولات إعادة توزيع الصلاحيات، بينما بقيت المنافسة على الجهاز الأمني مفتوحة بين الأطراف الثلاثة.

 الصراع يتجاوز المناصب 

وفي قراءة تحليلية للباحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجية محمد يوسف النور، يرى أن جوهر الخلاف على مديرية الأمن والانضباط لا يرتبط بالمناصب الإدارية بقدر ارتباطه بالجهة التي تتحكم بالمعلومات والتحقيقات داخل الحشد الشعبي.

فالجهاز الأمني الذي يستطيع التدقيق في حركة المنتسبين ومتابعة المخالفات والوصول إلى المعلومات التنظيمية يمتلك تأثيراً يتجاوز موقعه في الهيكل الإداري. ومن هنا تبرز أهمية الخلاف بين رئاسة الهيئة ورئاسة الأركان، إلى جانب محاولة عصائب أهل الحق الحصول على تمثيل داخل المديرية. 

ويشير  إلى أن نقل تبعية المديرية إلى رئاسة الأركان قد يؤدي إلى تركيز الصلاحيات العسكرية والأمنية لدى قيادة واحدة، في حين أن الإبقاء عليها تحت رئاسة الهيئة لا يضمن وحده استقلالها ما لم تقترن صلاحياتها برقابة حكومية فعالة.

في المحصلة، تكشف الخلافات الحالية، عن اختبار أوسع لقدرة الدولة العراقية على فرض تسلسل قيادي موحد داخل الحشد، ومنع تحول الأجهزة الأمنية الرسمية إلى أدوات في المنافسة بين الفصائل.
 

زر الذهاب إلى الأعلى