FEMYSO وتمويل المشاريع الأوروبية.. من التضامن الطلابي إلى اختبار الشفافية والمساءلة
لم يعد الجدل حول منتدى المنظمات الشبابية والطلابية المسلمة الأوروبية (FEMYSO) مقتصراً على طبيعة مواقفه من الاحتجاجات الطلابية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمصادر تمويل المشاريع التي تشارك فيها الشبكات الشبابية العابرة للحدود، ومدى قدرة المؤسسات الأوروبية على تتبع الأموال العامة عندما تمر عبر اتحادات أو ائتلافات أو جهات وسيطة. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل تزامن بيانات التضامن التي أصدرها المنتدى في أكتوبر 2026 مع نقاشات سياسية وبحثية بشأن علاقاته التنظيمية ومصادر الدعم المالي لبعض الأنشطة المرتبطة به.
وتبدأ القضية من التمييز بين التمويل المباشر والتمويل غير المباشر. فالتمويل المباشر يعني أن تحصل المنظمة نفسها على منحة من مؤسسة مانحة، بينما قد يأتي التمويل غير المباشر من خلال مشروع تديره مجموعة من الشركاء أو ائتلاف مؤسسات، تتولى إحدى الجهات فيه توزيع المنح أو تغطية نفقات أنشطة محددة. وهذا الفرق مهم عند تقييم التصريحات المتعلقة بعدم تلقي منح مباشرة، إذ إن نفي التمويل المباشر لا يجيب بالضرورة عن سؤال المشاركة في مشاريع تستفيد من أموال عامة عبر جهات وسيطة. وفي المقابل، فإن وجود منظمة ضمن مشروع ممول أوروبياً لا يثبت تلقائياً أنها تلقت مبلغاً معيناً؛ إذ يتطلب إثبات ذلك الاطلاع على العقود وسجلات المدفوعات والتقارير المالية الخاصة بالمشروع.
وفي هذا السياق، نشرت منظمتا AK Polis الألمانية وCERIF الفرنسية، في سبتمبر 2026، ورقة بحثية تناولت علاقات FEMYSO بمشاريع أوروبية، وركزت على مشروع يحمل اسم EmpowerAction ضمن إطار أوسع مرتبط بائتلاف TACKLE وبرنامج أوروبي للتثقيف والتوعية بقضايا التنمية. وتذهب الورقة إلى أن هذا المسار قد يتيح وصول تمويل أوروبي إلى أنشطة مرتبطة بالمنتدى عبر منح فرعية أو ترتيبات بين الشركاء. لكنها تشير أيضاً إلى أن المخطط الذي تعرضه يستند إلى علاقات المشاريع المنشورة، وليس إلى إثبات كامل للمدفوعات الفعلية التي وصلت إلى المنظمة أو تحديد المبلغ الذي استفادت منه. ولذلك يجب عرض هذه النتائج باعتبارها ادعاءات بحثية تستحق التحقق، لا باعتبارها سجلاً نهائياً للأموال التي تسلمها FEMYSO.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن النقاش العام حول تمويل المنظمات لا يمكن أن يعتمد على الشعارات السياسية وحدها. فإذا كانت هناك أموال عامة مخصصة للتدريب الشبابي أو التوعية أو تعزيز المشاركة المدنية، فإن من حق دافعي الضرائب معرفة الجهات المستفيدة، والأنشطة التي مولتها الأموال، ومدى توافق الإنفاق مع شروط المنح. وفي الوقت نفسه، يجب احترام القواعد القانونية التي تنظم عمل الجمعيات، وعدم اعتبار التمويل الأوروبي أو التعاون مع مؤسسة مدنية دليلاً على التبعية السياسية أو الأيديولوجية.
وقد تزايد الاهتمام بهذه المسألة بسبب اختلاف التقييمات المتعلقة بطبيعة FEMYSO. فالمنتدى يقدم نفسه بوصفه شبكة أوروبية تعمل على تمكين الشباب المسلمين والدفاع عن المشاركة المدنية، في حين ترى تقارير بحثية وجهات سياسية أن علاقاته التنظيمية تستدعي تدقيقاً إضافياً. ولا يكفي أي من هذين الموقفين وحده لحسم المسألة المالية. فالتوصيف الأيديولوجي للمنظمة لا يثبت حصولها على تمويل محدد، كما أن وصف المشروع بأنه مدني أو شبابي لا يعفي القائمين عليه من تقديم حسابات دقيقة عن موارده ونفقاته.
وتزداد أهمية الرقابة عندما تكون هناك عدة مستويات من الشراكة. فقد تمول مؤسسة أوروبية مشروعاً يديره ائتلاف، ثم يوزع الائتلاف منحاً على جمعيات مشاركة أو يتعاقد معها لتنفيذ أنشطة محددة. وفي هذه الحالة، قد لا تظهر جميع الجهات المنفذة باعتبارها مستفيداً مباشراً في قواعد بيانات المنح الرئيسية، رغم استفادتها من موارد المشروع. ولا يعني ذلك أن هذه الآلية غير قانونية أو أنها تهدف بالضرورة إلى إخفاء المستفيدين، لكنها تجعل تتبع الأموال أكثر تعقيداً، وتزيد الحاجة إلى نشر قوائم الشركاء والمبالغ المخصصة لهم والنتائج التي حققوها.
ومن هنا، ينبغي أن تتجه الأسئلة الرقابية إلى تفاصيل محددة: ما الجهة التي وقعت اتفاقية التمويل؟ وما المبلغ الإجمالي المخصص للمشروع؟ وما الجهات التي حصلت على منح فرعية؟ وهل تلقى FEMYSO أو أي منظمة مرتبطة به تمويلاً نقدياً مباشراً أو تغطية لنفقات أنشطة؟ وما المستندات التي تثبت هذه المدفوعات؟ كما ينبغي التحقق من طبيعة الأنشطة الممولة، وما إذا كانت تتعلق بالتدريب أو التوعية أو حملات المناصرة السياسية، لأن اختلاف الأهداف قد يترتب عليه اختلاف في شروط التمويل والتزامات الإفصاح.
وتبرز هنا مسؤولية المفوضية الأوروبية والجهات المنفذة للمشاريع في ضمان قابلية تتبع الأموال العامة. فالشفافية لا تتحقق بمجرد نشر اسم المشروع أو إعلان وجود دعم أوروبي، بل تحتاج إلى بيانات يمكن مقارنتها ومراجعتها، تشمل الجهات المستفيدة والميزانيات والنتائج. كما أن وجود آليات واضحة للتدقيق يقلل احتمالات تضارب المصالح، ويحمي المؤسسات المانحة والمنظمات المستفيدة من الاتهامات غير المدعومة.
وفي المقابل، يجب عدم تحويل الشكوك حول تمويل منظمة معينة إلى حكم جماعي على المشاركين في أنشطتها. فالشباب الذين يشاركون في برامج تدريبية أو احتجاجات طلابية قد لا يعرفون التفاصيل الإدارية أو المالية لجميع الجهات الداعمة. كما أن المطالب المتعلقة بالتعليم والسكن والحقوق المدنية يمكن أن تكون مشروعة بصرف النظر عن الجهة التي تعلن التضامن معها. ولذلك، فإن التحقيق في تمويل المنظمات يجب أن يبقى منفصلاً عن تقييم حق الطلاب في الاحتجاج السلمي.
إن ملف FEMYSO يقدم فرصة لمراجعة أوسع لآليات تمويل المجتمع المدني الأوروبي، خصوصاً عندما تنتقل الأموال عبر شبكات متعددة المستويات. والمطلوب ليس إيقاف التمويل لمجرد وجود خلاف سياسي، بل التأكد من أن كل منحة تخضع للقواعد ذاتها، وأن المستفيدين يلتزمون بأهدافها، وأن البيانات المالية متاحة بما يكفي للتحقق المستقل. فإذا أثبتت الوثائق وجود مدفوعات أو مخالفات محددة، وجب نشر النتائج بوضوح. أما إذا بقيت المعلومات غير مكتملة، فيجب التصريح بذلك بدلاً من تحويل الاحتمالات إلى وقائع.
والخلاصة أن السؤال المالي الأكثر أهمية ليس ما إذا كان FEMYSO قد ظهر اسمه في مشروع أوروبي فحسب، بل ما إذا كانت هناك مدفوعات فعلية وصلت إليه، وما قيمتها، وما الغرض الذي استخدمت فيه. الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى عقود وسجلات مالية وتأكيدات من الجهات المانحة والمنفذة. ومن دونها، تبقى الشفافية مطلباً مشروعاً، لكن الاتهام المالي المحدد يظل بحاجة إلى إثبات.
