إيران

أزمة قاعدة الدعم تهدد تماسك النظام الإيراني


يواجه النظام الإيراني لحظة مفصلية قد تحدد مستقبله السياسي بعد مقتل الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي في غارات أميركية إسرائيلية قبل أسبوع، إذ يجد قادة الجمهورية الإسلامية أنفسهم أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الضغوط العسكرية الخارجية والغضب الشعبي الداخلي، في وقت تشير فيه مؤشرات عديدة إلى تآكل قاعدة الموالين التي شكلت لعقود الركيزة الأساسية لبقاء النظام.

وبينما يقترب مجلس الخبراء، الهيئة الدينية المخولة دستوريا باختيار الزعيم الأعلى، من إعلان اسم الخليفة الجديد لخامنئي، تتزايد التساؤلات حول قدرة القيادة المقبلة على الحفاظ على تماسك النظام في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

ويُنظر إلى مجتبى خامنئي، نجل الزعيم الراحل وأحد أبرز رموز التيار المحافظ المتشدد، على أنه المرشح الأوفر حظا لخلافة والده، مستندا إلى شبكة نفوذ قوية داخل الحرس الثوري ومكتب الزعيم الأعلى، غير أن محللين يرون أن وصول شخصية متشددة إلى قمة السلطة قد يعزز تماسك النواة الصلبة للنظام، لكنه في الوقت نفسه قد يضيق دائرة المؤيدين في مجتمع بات أكثر تذمرا من الأوضاع الاقتصادية والسياسية.

وقال علي أنصاري، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سانت أندروز البريطانية، إن اختيار زعيم من غلاة المحافظين قد يؤدي إلى “توطيد القاعدة الصلبة للنظام، لكنه يتركه محصورا داخل دائرة من المؤيدين الآخذة في التضاؤل”، محذرا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تصاعد التوترات داخل المجتمع الإيراني.

وتعود جذور الجمهورية الإسلامية إلى ثورة عام 1979 التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي وأقامت نظاما سياسيا قائما على مبدأ “ولاية الفقيه”، الذي يمنح رجل دين شيعيا السلطة العليا في الدولة إلى حين عودة الإمام المهدي بحسب العقيدة الشيعية. ومنذ ذلك الحين، لعب الزعيم الأعلى الدور الحاسم في توجيه سياسات الدولة والإشراف على مؤسساتها الرئيسية.

لكن العقود التي أعقبت الثورة شهدت تراجعا تدريجيا في مستوى التأييد الشعبي للنظام، نتيجة عوامل عدة من بينها الأزمات الاقتصادية المتكررة والاتهامات بالفساد والقمع السياسي وسوء الإدارة، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين السلطات وقطاعات واسعة من المجتمع.

ورغم هذا التراجع، لا يزال النظام يعتمد على كتلة صلبة من الموالين المنظمين، الذين يشكلون العمود الفقري لقدرة الدولة على الصمود في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. وتشمل هذه القاعدة عناصر الحرس الثوري وقوات الباسيج شبه العسكرية، إضافة إلى شبكة واسعة من المسؤولين المحليين ورجال الدين المرتبطين بالمؤسسة الحاكمة.

وتشير مقابلات أجريت مع أعضاء في قوات الباسيج ومواطنين إيرانيين إلى أن هذه القاعدة لا تزال قادرة على الحشد والتنظيم، لكنها قد لا تكون بالقوة نفسها التي كانت عليها في العقود الماضية.

وقال مهدي راستجاري، وهو معلم ديني وعضو في الباسيج يبلغ من العمر 32 عاما، إن الموالين للنظام مستعدون للدفاع عنه مهما كانت الظروف، مضيفا “قدمنا الكثير من الشهداء وضحوا بأنفسهم من أجل قائدنا. الآن يجب أن نظهر أن مسار خامنئي مستمر، وسندعم أي شخص يتم اختياره زعيما وسنضحي بحياتنا من أجله”.

لكن أصواتا أخرى داخل هذه القاعدة تبدو أقل يقينا بشأن مستقبل النظام، خصوصا في ظل الحرب الدائرة والضربات العسكرية التي طالت مواقع قيادية داخل إيران.

وقال أحد عناصر الباسيج في مدينة مشهد، طلب الاكتفاء باسمه الأول حسن، إن الضغوط الخارجية والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والاقتصاد الإيراني قد تجعل من الصعب الحفاظ على تماسك النظام إذا اختير زعيم متشدد جديد، مضيفا “علينا أن نكون واقعيين”، متسائلا عن قدرة البلاد على إعادة بناء اقتصادها في ظل الدمار الحالي.

وتظهر البيانات الانتخابية أيضا مؤشرات على تقلص قاعدة المؤيدين المتحمسين للنظام، ففي أحدث انتخابات رئاسية، حصل المرشح المتشدد سعيد جليلي على نحو تسعة ملايين صوت في الجولة الأولى و13 مليون صوت في الجولة الثانية، من أصل أكثر من 61 مليون ناخب يحق لهم التصويت، ما يعكس حجم المشاركة المحدود مقارنة بعدد السكان البالغ نحو 85 مليون نسمة.

ورغم ذلك، يرى بعض الإيرانيين أن ضعف المعارضة وعدم قدرتها على التنظيم يجعل احتمالات التغيير السياسي محدودة في المدى القريب.

وقال باباك، وهو رجل أعمال يبلغ من العمر 34 عاما من مدينة أراك، إن الحرس الثوري ما زال يشكل القوة الحاسمة في معادلة السلطة، مضيفا “الحرس والنظام ما زالا قويين، ولديهما عشرات الآلاف من القوات المستعدة للقتال من أجل الحفاظ على هذا النظام، بينما لا يملك الناس العاديون شيئا”.

ويمتد نفوذ هذه الشبكة من مكتب الزعيم الأعلى في طهران إلى المدن والقرى في أنحاء البلاد، حيث يعمل عناصر الباسيج والحرس الثوري على مراقبة الأوضاع الداخلية والتصدي لأي احتجاجات محتملة.

وفي مدينة قم، على سبيل المثال، يقضي علي محمد حسيني، وهو عضو في الباسيج يبلغ من العمر 29 عاما، أمسياته في حراسة نقاط التفتيش بعد انتهاء عمله في متجر بقالة يملكه والده، في إطار جهود منع أي تحركات احتجاجية. ويقول إن “الحفاظ على النظام هو القضية الأهم، لأنه الهدف الذي يسعى الأمريكيون لضربه”.

ويحصل الموالون للنظام عادة على امتيازات متعددة، مثل فرص دراسية أفضل ووظائف حكومية وقروض مدعومة، لكن الأزمة الاقتصادية العميقة التي تمر بها البلاد قد تهدد استمرار هذه المزايا.

وفي ظل تدهور البنية التحتية نتيجة الحرب، قال حسن إن مستقبل هذه الامتيازات يبدو غير واضح، مضيفا “لم يعد لدينا حتى مطارات أو موانئ تعمل بشكل طبيعي. كيف سيتمكنون من إعادة بناء الاقتصاد؟”.

وفي النهاية، يبدو أن مستقبل الجمهورية الإسلامية سيتحدد إلى حد كبير بمدى قدرة القيادة الجديدة على الحفاظ على تماسك هذه القاعدة الموالية، وفي الوقت نفسه التعامل مع مجتمع يتزايد فيه الإحباط والغضب، في ظل حرب وضغوط دولية غير مسبوقة قد تجعل المرحلة المقبلة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ النظام الإيراني منذ قيامه قبل أكثر من أربعة عقود.

زر الذهاب إلى الأعلى