سياسة

اختبار أوكرانيا.. هل يصبح الدعم العسكري بوابة كوريا الجنوبية إلى أوروبا؟


فرصة استراتيجية أمام كوريا الجنوبية لتعزيز حضورها الأمني في أوروبا عبر دعم أوكرانيا، وسط تزايد الطلب على أنظمة الدفاع الجوي، وتنامي الحاجة إلى شراكات دفاعية تتجاوز صفقات السلاح التقليدية.

ومع تكثيف روسيا لهجماتها الصواريخ الباليستية، تعاني أوكرانيا من نقص حاد وخطير في الصواريخ الاعتراضية اللازمة للتصدي لتلك الهجمات ولا يبدو أن الحلفاء مستعدون أو قادرون على سد هذه الفجوة، فالأوروبيون استنزفوا بالفعل جزءًا كبيرًا من مخزوناتهم للدفاع الجوي، بينما تواصل الولايات المتحدة استنزاف مخزوناتها في حربها ضد إيران، بحسب تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية. 

وأوضحت المجلة أن أوكرانيا بحثت في خيارات محلية لتجديد الإمدادات، بما في ذلك طلب الإذن من واشنطن لتصنيع صواريخ “باتريوت” الاعتراضية وتطوير صاروخها المحلي لاعتراض الصواريخ الباليستية المسمى “فريا” لكن واشنطن رفضت الخيار الأول حتى الآن، والخيار الثاني يتطلب استثمارات مالية ضخمة، وأعمالاً هندسية، واختبارات فضلا عن الوقت.

وفي هذا الإطار، تعد كوريا الجنوبية واحدة من الدول القليلة القادرة على سد هذه الفجوة، وناشد زيلينسكي سول للحصول على دعمها من أنظمة الدفاع الجوي لكنها رفضت حتى الآن.

ويعد هذا الموقف خطأ بحسب “فورين بوليسي” الأمريكية التي أشارت إلى أنه منذ اندلاع حرب أوكرانيا عام 2022، برزت كوريا الجنوبية كمورد رئيسي للأسلحة إلى أوروبا وسيمنح تزويد أوكرانيا بأنظمة دفاع جوي سول فرصة لإثبات أنها ليست مجرد مصدر للأسلحة بل شريك أمني حقيقي لأوروبا أيضاً.

وتتمتع كوريا الجنوبية بمؤهلات مثالية لتقديم المساعدة إذ طورت قدرات متطورة ومتعددة الطبقات للدفاع الصاروخي للتصدي للتهديدات النووية والصاروخية الكورية الشمالية، كما تمتلك فائضاً كافياً للتصدير إلى دول أخرى. 

وأثبت نظام “تشيونغونغ-2” كفاءته، كما يتميز أيضاً بأسعار تنافسية إذ تبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي من هذا الطراز حوالي 1.1 مليون دولار، أي ما يعادل ثلث سعر صاروخ “باتريوت” تقريباً.

وعلاوة على ذلك، تنتج كوريا الجنوبية حوالي 95% من مكونات النظام محلياً، مما يقلل من تعرضها لاضطرابات سلاسل التوريد الخارجية وقيود التصدير والأهم هو قدرتها على زيادة وتيرة الإنتاج بسرعة وتسليم الأنظمة في المواعيد المحددة. 

لكن كوريا الجنوبية حافظت على سياستها الراسخة بعدم توريد أسلحة فتاكة مباشرة إلى الدول التي تشهد حروباً، واكتفت حتى الآن بتقديم مساعدات إنسانية ومعدات عسكرية غير فتاكة لأوكرانيا، وتوريد الذخيرة بشكل غير مباشر عبر الولايات المتحدة.

ويشير البعض إلى المادة الخامسة التي تنص على أن “تسعى جمهورية كوريا للحفاظ على السلام الدولي وتنبذ جميع الحروب العدوانية” باعتبارها أساساً قانونياً لمعارضة نقل الأسلحة إلى أوكرانيا لكن يمكن القول إن مساعدة دولة تعرضت للهجوم تعد مساهمة في صون السلم والأمن الدوليين وهو ما يتسق مع روح المادة، وفق “فورين بوليسي” الأمريكية.

وهناك “قانون برنامج الاستحواذ الدفاعي” في كوريا الجنوبية، الذي يتيح للحكومة تقييد صادرات المواد الدفاعية عندما يكون الأمر ضروريا للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وحماية الأمن القومي، أو لتجنب الاحتكاكات الدبلوماسية.

وتحتفظ الحكومة بسلطة تقديرية في الموافقة على هذه الصادرات ويقصر قانون التجارة الخارجية صادرات الأسلحة على “الاستخدامات السلمية”، ولكنه لا يحدد بوضوح ما يعد “استخدامًا سلميًا” وبالتالي، فإن مسألة تزويد أوكرانيا بأنظمة الدفاع الجوي هي، في جوهرها، خيار سياسي، وفق المجلة.

ومع ذلك فقد يكون تردد سول مفهوما، فقد سعى الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى الحفاظ على علاقات عملية مع روسيا، التي لا تزال ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية لبلاده، كما لعبت موسكو تقليديًا دورًا هامًا في المنطقة نظرًا لنفوذها على كوريا الشمالية. 

وتوترت العلاقة بين البلدين عندما فرضت كوريا الجنوبية عقوبات اقتصادية على روسيا عقب حرب أوكرانيا ومؤخراً، احتجت موسكو على المساعدات الإنسانية التي تقدمها سول لكييف وتعاونها في مجال الصناعات الدفاعية مع حلف شمال الأطلسي (الناتو). 

خط أحمر روسي

ومن المرجح أن تتجاوز عمليات نقل الأسلحة المباشرة إلى أوكرانيا ما تعتبره روسيا خطاً أحمر وقد تجعل من الصعب على سول إصلاح العلاقات مع موسكو بعد انتهاء الحرب.

ويخشى صناع القرار في كوريا الجنوبية من أن تسليح أوكرانيا بشكل مباشر قد يشجع موسكو على تعميق التعاون العسكري مع كوريا الشمالية، بما في ذلك نقل تقنيات حساسة تتعلق بالغواصات التي تعمل بالطاقة النووية، والأقمار الصناعية العسكرية، أو أنظمة أخرى. 

وستعزز هذه التقنيات قدرات كوريا الشمالية على توجيه ضربات دقيقة، وتحسن من قدرة قواتها النووية على البقاء، وتقوي قدرتها على الردع ضد الولايات المتحدة، مما يقوض مصداقية الضمان الأمني الأمريكي. 

ومع ذلك، تثور الشكوك حول ما إذا كانت جهود كوريا الجنوبية لإدارة علاقتها مع روسيا ستؤتي ثمارها فمع تعمق العلاقات الروسية الكورية الشمالية لتتحول إلى تحالف قائم على معاهدة، بات من غير المرجح أن تتمكن سول من استعادة علاقتها السابقة مع موسكو التي تشير التقارير إلى أنها تزود بيونغ يانغ بالفعل ببعض التقنيات الحساسة.

فرصة أم عبء

وينبغي على سول أن تقارن بين مكاسبها من علاقتها مع روسيا وما قد تخسره وهو فرصة تعزيز شراكتها الأمنية مع أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، توسع التعاون بين كوريا الجنوبية وأوروبا بشكل ملحوظ حيث شاركت سول في قمم الناتو ووقعت اتفاقية شراكة أمنية ودفاعية مع الاتحاد الأوروبي واكتسبت العلاقة أهمية بالغة، إذ يواجه كلا البلدين تهديدات أمنية متزايدة وسط تراجع الثقة في الالتزامات الأمنية الأمريكية.

وأصبحت صناعة الدفاع في كوريا الجنوبية جزءًا هامًا من جهود أوروبا لتعزيز قدراتها العسكرية ففي الفترة من 2021 إلى 2025، كانت سول ثاني أكبر مورد للأسلحة الرئيسية للناتو بعد الولايات المتحدة. 

وتجلت هذه الشراكة بوضوح من خلال عمليات التسليم السريعة للمدافع والدبابات وأنظمة إطلاق الصواريخ المتعددة والطائرات إلى بولندا، إلى جانب صفقات مع رومانيا والنرويج وفنلندا وإستونيا.

ومع ذلك، يشهد المناخ السياسي في أوروبا تغيرات، وتكتسب توجهات “شراء المنتجات الأوروبية” زخمًا متزايدًا مع سعي الحكومات إلى تنشيط القاعدة الصناعية الدفاعية للقارة. 

ويدرك صناع السياسات وقادة الصناعات الدفاعية في كوريا الجنوبية أن أوروبا لا يمكن التعامل معها كمجرد وجهة للأسلحة وأنه يجب أن يتحول التعاون المستدام إلى تعاون متبادل وشراكة أمنية أوسع وهو ما يتطلب من سول أن ترسخ مكانتها رمزياً كشريك أمني موثوق، لا مجرد شريك تجاري.

وتمثل أوكرانيا أوضح فرصة لإثبات ذلك فهي خط الدفاع الأول للأمن الأوروبي، وتعزيز قدرتها ضد روسيا يسهم في ردع أوروبا ودفاعها ولا يمكن لسول أن تطمح لأن تصبح أحد شركاء أوروبا الأمنيين الموثوق بهم بينما تعزل علاقاتها مع موسكو عن عواقب هذا الخيار. 

زر الذهاب إلى الأعلى