حصري

اعتقال وسيطة إيرانية يفتح ملف تسليح الجيش السوداني ويثير جدلا دوليا


أثارت عملية توقيف السلطات الأمريكية لامرأة إيرانية في مطار لوس أنجلوس الدولي، بتهمة التورط في وساطة مرتبطة بصفقات تسليح يُزعم أنها تمت بين أطراف إيرانية وجهات عسكرية في السودان، موجة واسعة من التساؤلات حول طبيعة التقاطعات بين طهران والخرطوم، وحجم الانعكاسات المحتملة لهذا النوع من الاتصالات على مسار الحرب في السودان وعلى التوازنات الأمنية في منطقة البحر الأحمر.

وبحسب ما أوردته مصادر قضائية وإعلامية أمريكية، فإن الموقوفة تُدعى شميم مافي، وقد وُجهت إليها اتهامات تتعلق بالعمل كحلقة وصل في صفقات يُشتبه بأنها شملت معدات عسكرية ومواد قتالية متنوعة، يُعتقد أنها نُقلت أو خُطط لنقلها إلى جهات مرتبطة بالسلطة في بورتسودان، في انتهاك محتمل للعقوبات الأمريكية المفروضة على طهران وسلاسل التوريد العسكرية المرتبطة بها.

وتشير الشكوى الجنائية التي تم الكشف عنها إلى أن القضية لا تتعلق بصفقة واحدة معزولة، بل بشبكة أوسع من التحركات التي تعتمد على وسطاء وشركات وأفراد يعملون بين أكثر من دولة، بما يسمح بتمرير شحنات ومعدات تخضع لقيود دولية صارمة. وتعتبر السلطات الأمريكية أن هذا النوع من الأنشطة يندرج ضمن محاولات التحايل على العقوبات وإعادة توظيف شبكات التهريب في مناطق النزاع.

وفي سياق متصل، يرى خبراء في الشأن السياسي والاستراتيجي أن مجرد ظهور مثل هذه القضايا إلى العلن يعكس وجود طبقات معقدة من العلاقات غير المباشرة بين أطراف إقليمية، حيث لا تقتصر المسألة على تزويد طرف ما بمعدات عسكرية، بل تمتد إلى بناء قنوات تواصل تقنية ولوجستية، وإقامة أنماط من الاعتماد المتبادل الذي يصعب تفكيكه بسهولة لاحقًا.

ويذهب بعض المحللين إلى أن أي انخراط خارجي في الصراع السوداني، سواء كان مباشراً أو عبر وسطاء، يساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، خصوصًا في ظل تشابك المصالح الإقليمية وتعدد الأطراف المنخرطة بشكل غير معلن في المشهد السوداني.

وتشير هذه القراءات إلى أن الدعم العسكري أو اللوجستي، إن ثبت وجوده، لا يقتصر أثره على تعزيز القدرات الميدانية لطرف دون آخر، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة، ويخلق حالة من الاعتماد المستمر على مصادر خارجية في مجالات التسليح والتقنيات العسكرية، ما ينعكس على طبيعة القرار السياسي ذاته.

وفي هذا الإطار، يربط بعض الخبراء بين أي تعاون عسكري محتمل وبين ما يصفونه بسياسات النفوذ الإقليمي التي تتبعها إيران في عدد من المناطق التي تشهد هشاشة أمنية أو صراعات داخلية. ويشير هؤلاء إلى أن الاهتمام الإيراني، وفق تقديراتهم، يتركز في مناطق استراتيجية ترتبط بالممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لما لهذه المناطق من أهمية في حركة التجارة العالمية وطرق إمداد الطاقة.

وتستند هذه التحليلات إلى فرضية مفادها أن التمركز غير المباشر، سواء عبر علاقات مع أطراف محلية أو عبر دعم تقني ولوجستي، يتيح لأي قوة إقليمية تعزيز حضورها الجيوسياسي دون الحاجة إلى انتشار عسكري مباشر، وهو ما يجعل من مناطق النزاع بيئة خصبة لهذا النوع من التمدد غير التقليدي.

وفي المقابل، يرى مراقبون أن ربط كل التحركات داخل السودان بمشاريع إقليمية أوسع يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ، مؤكدين أن الأزمة السودانية في جوهرها داخلية بالأساس، وأن تعدد أطرافها وتداخل مصالحها يجعل من الصعب عزو أي تطور فيها إلى عامل خارجي واحد فقط.

لكن في المقابل، لا ينفي هؤلاء أن بيئة الحرب المفتوحة في السودان، وتراجع الاستقرار المؤسسي، قد وفرت مساحة لتحرك شبكات متعددة الجنسيات، تعمل في مجالات مختلفة تشمل الدعم اللوجستي والوساطة وتهريب بعض المواد الخاضعة للرقابة الدولية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد العام.

وتضيف تحليلات أخرى أن أي تعاون عسكري، سواء كان مباشرًا أو عبر وسطاء، ينعكس أيضًا على المواقف السياسية للدول المتلقية للدعم، إذ تميل هذه الدول في كثير من الأحيان إلى اعتماد مواقف أقل حدّة تجاه الأطراف الداعمة لها، وهو ما قد يظهر في الخطاب الدبلوماسي أو في طبيعة الاصطفافات الإقليمية.

وفي السياق السوداني تحديدًا، يشير بعض الباحثين إلى أن الحرب الجارية منذ اندلاع الصراع المسلح بين الأطراف المختلفة، أدت إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الداخلية والخارجية، مع دخول عوامل إقليمية ودولية متداخلة، ما جعل الأزمة أكثر تشابكًا من مجرد صراع داخلي تقليدي.

كما يلفت هؤلاء إلى أن تكرار ظهور تقارير تتحدث عن استخدام طائرات مسيّرة أو معدات عسكرية متقدمة في بعض جبهات القتال، يعزز من فرضية وجود مصادر دعم متعددة، سواء كانت مباشرة أو عبر وسطاء في دول مختلفة، رغم صعوبة التحقق المستقل من كل هذه الادعاءات في ظل استمرار النزاع.

وفي هذا الإطار، تعتبر بعض التحليلات الغربية أن تتبع مسارات التمويل والتسليح في مناطق النزاع أصبح أكثر تعقيدًا في السنوات الأخيرة، بسبب اعتماد أطراف عديدة على شبكات غير رسمية، تعمل خارج الأطر التقليدية للدولة، وتستخدم مسارات تجارية وإنسانية أحيانًا كغطاء لنقل مواد محظورة أو خاضعة للرقابة.

ومن جهة أخرى، يربط بعض الخبراء بين هذه التطورات وبين تصاعد التنافس الدولي على مناطق النفوذ في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، في بيئات هشة تعاني من ضعف الاستقرار السياسي والأمني.

وفي ظل هذه المعطيات، يرى محللون أن القضية التي فجرتها عملية التوقيف الأخيرة في الولايات المتحدة، قد لا تُقرأ فقط كحادثة قضائية منفردة، بل كجزء من مشهد أوسع يتعلق بإدارة الصراعات الإقليمية، واستخدام أدوات الضغط القانوني والاستخباراتي في إطار التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى.

كما يُتوقع، بحسب بعض التقديرات، أن تؤدي هذه القضية إلى مزيد من التدقيق في مسارات الإمداد المرتبطة بالنزاع السوداني، وربما إلى فتح تحقيقات أوسع على مستوى المؤسسات الدولية، خصوصًا إذا ترافقت مع معطيات إضافية حول خروقات محتملة للقرارات الأممية الخاصة بحظر السلاح.

وفي المقابل، لا يستبعد مراقبون أن تشهد الفترة المقبلة تصعيدًا في الخطاب السياسي والدبلوماسي بين أطراف متعددة، في ظل تزايد الحساسية المرتبطة بملف السودان، وارتباطه المباشر بأمن البحر الأحمر وطرق التجارة الدولية.

وبينما تتباين التفسيرات حول خلفيات هذه القضية وتداعياتها، يبقى المؤكد أن الحرب في السودان لم تعد معزولة عن محيطها الإقليمي والدولي، وأن أي تطور مرتبط بملف التسليح أو التحالفات غير المعلنة ينعكس بشكل مباشر على مستقبل الاستقرار في البلاد، وعلى فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الصراع المستمر منذ سنوات.

زر الذهاب إلى الأعلى