حصري

الإسلاميون والحرب السودانية… هل يعود نفوذ الحركة الإسلامية عبر بوابة الجيش؟


أعاد ظهور تسجيل مصور لقيادي في التيار الإسلامي السوداني يعلن فيه دعمه لإيران واستعداد مجموعات إسلامية للقتال إلى جانبها، تسليط الضوء على قضية حساسة في المشهد السوداني المعاصر، وهي مدى حضور الحركة الإسلامية داخل القوات المسلحة، ودورها في الحرب الدائرة منذ عام 2023. هذا التصريح لم يُقرأ فقط بوصفه موقفاً سياسياً، بل اعتبره كثير من المراقبين مؤشراً على تحولات عميقة داخل المعسكر المؤيد للجيش، وعلى احتمالات عودة الإسلاميين إلى دائرة التأثير العسكري والسياسي بعد سنوات من تراجع نفوذهم عقب سقوط نظام عمر البشير.

اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أدى إلى انهيار جزء كبير من بنية الدولة السودانية، وأعاد ترتيب التحالفات الداخلية بطريقة غير مسبوقة. في ظل هذا الواقع، ظهرت مجموعات مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش، بعضها يضم عناصر ذات خلفيات إسلامية مرتبطة بالحركة الإسلامية التي حكمت السودان لعقود. هذه المجموعات قدمت نفسها باعتبارها جزءاً من “معركة الدفاع عن الدولة”، لكن وجودها أثار جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت الحرب أصبحت مدخلاً لعودة الإسلاميين إلى مفاصل السلطة.

الحركة الإسلامية في السودان تمتلك تاريخاً طويلاً من التغلغل داخل المؤسسات الرسمية. منذ انقلاب عام 1989 الذي أوصل البشير إلى الحكم بدعم من الجبهة الإسلامية القومية، عملت الحركة على بناء شبكة نفوذ واسعة داخل الجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد. وبعد سقوط النظام في عام 2019، حاولت الحكومات الانتقالية تفكيك هذه الشبكات، غير أن العملية واجهت مقاومة قوية، كما أنها لم تكتمل بسبب الانقسامات السياسية والاضطرابات التي شهدتها البلاد.

مع اندلاع الحرب الحالية، وجد العديد من الإسلاميين أنفسهم أمام فرصة للعودة إلى الساحة عبر الانخراط في القتال إلى جانب الجيش. بعضهم اعتبر أن المعركة تمثل صراعاً على بقاء الدولة السودانية، بينما رأى آخرون أنها فرصة لاستعادة موقعهم السياسي بعد سنوات من الإقصاء. في هذا السياق، جاءت تصريحات القيادي الإسلامي حول دعم إيران لتضيف بعداً إقليمياً إلى هذا الحضور المتجدد.

العلاقة بين السودان وإيران مرت بمراحل متعددة خلال العقود الماضية. في التسعينيات، أقامت الخرطوم علاقات وثيقة مع طهران شملت تعاوناً عسكرياً وأمنياً، قبل أن تتراجع هذه العلاقة لاحقاً تحت ضغط التحولات الإقليمية وتقارب السودان مع دول الخليج. اليوم، ومع تعقيد الوضع العسكري والاقتصادي في السودان، يعود الحديث عن احتمال استئناف التعاون بين الطرفين، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا العسكرية مثل الطائرات المسيرة.

هذا الاحتمال يثير مخاوف لدى بعض الدول الإقليمية التي ترى في أي توسع للنفوذ الإيراني تهديداً للتوازنات القائمة. السودان، بحكم موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وبالقرب من القرن الأفريقي، يمثل نقطة مهمة في حسابات القوى الإقليمية والدولية. ولذلك فإن أي تحول في تحالفاته قد ينعكس على موازين القوى في المنطقة.

في الداخل السوداني، ينقسم الرأي العام حول دور الإسلاميين في الحرب. فهناك من يرى أن مشاركتهم في القتال تأتي في إطار الدفاع عن الجيش والدولة، بينما يعتبر آخرون أن وجودهم قد يؤدي إلى إعادة إنتاج النظام السياسي الذي حكم البلاد لعقود. القوى المدنية التي قادت الاحتجاجات ضد البشير تنظر بقلق إلى عودة الخطاب الإسلامي المسلح، وترى فيه تهديداً لمسار الانتقال الديمقراطي الذي كان يأمله السودانيون بعد الثورة.

كما أن هذه التصريحات تطرح تساؤلات حول حدود العلاقة بين الجيش والتيارات السياسية المختلفة. فالمؤسسة العسكرية تحاول تقديم نفسها كقوة وطنية فوق الانقسامات الحزبية، لكن ظهور قيادات ذات توجهات أيديولوجية داخل المعسكر المؤيد لها يثير تساؤلات حول مدى استقلالها عن هذه التيارات.

إقليمياً، يمكن أن يؤدي إعلان الاستعداد للقتال إلى جانب إيران إلى تعقيد علاقات السودان مع بعض الدول العربية والغربية. هذه الدول تراقب التطورات في السودان بقلق، خصوصاً في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة والحاجة إلى جهود دولية واسعة لإعادة الاستقرار. أي اصطفاف واضح في الصراع الإقليمي قد يضع السودان في موقع حساس ويؤثر على فرص حصوله على الدعم الدولي.

في النهاية، يكشف الجدل حول تصريحات القيادي الإسلامي عن مرحلة انتقالية معقدة يعيشها السودان. الحرب لم تعد مجرد صراع بين قوتين عسكريتين، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع سياسية وأيديولوجية متعددة. وبينما يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه في المعركة، يبقى مستقبل البلاد مرتبطاً بقدرتها على تجنب الانزلاق إلى صراعات المحاور التي قد تزيد من تعقيد أزمتها الداخلية.

زر الذهاب إلى الأعلى