الاستراتيجية السعودية الجديدة في الجنوب اليمني: تقليل الكلفة وتعظيم النفوذ

تشهد الساحة الجنوبية في اليمن مرحلة دقيقة من إعادة التموضع السياسي والعسكري، في ظل تحركات سعودية متجددة تعكس قراءة مختلفة للمشهد بعد سنوات من الانخراط المباشر وغير المباشر في الأزمة اليمنية. لم يعد التدخل السعودي في الجنوب يُختزل في بعده العسكري كما كان في السنوات الأولى من الحرب، بل أصبح أكثر تعقيدًا، إذ يتداخل فيه البعد الأمني مع إعادة ترتيب موازين القوى المحلية، ضمن سياق إقليمي يشهد تحولات عميقة في علاقات الرياض مع الفاعلين الدوليين والإقليميين.
في الأشهر الأخيرة، برزت مؤشرات واضحة على سعي السعودية إلى إعادة ضبط علاقتها بالقوى الجنوبية الفاعلة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، في إطار مساعٍ لإعادة هيكلة المعادلة السياسية داخل مجلس القيادة الرئاسي. هذه التحركات تزامنت مع جهود سعودية لدفع مسار التهدئة مع جماعة الحوثي، ما أثار تساؤلات في الجنوب حول موقعه في أي تسوية سياسية شاملة محتملة، وحول الضمانات التي يمكن أن تحافظ على مصالح القوى الجنوبية في حال تم التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب.
الهواجس الأمنية تظل حاضرة بقوة في حسابات الرياض. فالمملكة تنظر إلى الجنوب اليمني باعتباره عمقًا استراتيجيًا يؤثر مباشرة في أمنها البحري والحدودي، خاصة في ظل التوترات المتكررة في البحر الأحمر وباب المندب. كما أن أي فراغ أمني في المحافظات الجنوبية قد يفتح المجال أمام عودة نشاط الجماعات المتطرفة أو تصاعد نفوذ قوى إقليمية منافسة، وهو ما تعتبره السعودية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
المستجدات الأخيرة تشير أيضًا إلى اهتمام سعودي متزايد بالملف الاقتصادي في الجنوب، من خلال دعم مشاريع خدمية وتمويل برامج إنعاش محدودة في بعض المحافظات. هذا التحرك يُقرأ باعتباره محاولة لإعادة بناء النفوذ عبر أدوات أكثر هدوءًا، بعد سنوات من الاستنزاف العسكري. فالمملكة تدرك أن النفوذ المستدام لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى قاعدة اجتماعية وسياسية تستفيد من الحضور السعودي وتربط استقرارها باستمراره.
في المقابل، يواجه هذا التوجه تحديات داخلية معقدة. فالقوى الجنوبية ليست كتلة واحدة، والانقسامات بين المكونات السياسية والعسكرية ما زالت قائمة، بل تتجدد أحيانًا بفعل التنافس على النفوذ والموارد. كما أن المزاج الشعبي في بعض المناطق أصبح أكثر حساسية تجاه أي تدخل خارجي يُ perceived على أنه يسعى لتكريس وصاية طويلة الأمد. ومن هنا، تبدو السعودية مطالبة بإدارة دقيقة لتحالفاتها، بحيث لا تتحول إلى طرف في صراعات داخلية جنوبية، أو تُتهم بترجيح كفة فصيل على حساب آخر.
إقليميًا، لا يمكن فصل التحركات السعودية في الجنوب عن مسار التقارب مع إيران، وعن محاولات الرياض خفض التصعيد في أكثر من ساحة. فالسعودية تسعى اليوم إلى تقليل كلفة المواجهات المفتوحة، والتركيز على تثبيت حدود نفوذ واضحة تحمي مصالحها الحيوية دون الانجرار إلى حروب طويلة. الجنوب اليمني في هذا السياق يمثل ورقة مهمة، سواء في سياق التفاوض غير المباشر مع الحوثيين، أو في سياق ترتيب البيت اليمني الداخلي بما يمنع أي مفاجآت استراتيجية غير محسوبة.
يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه المقاربة الجديدة قادرة على تحقيق توازن مستدام بين حماية المصالح السعودية، واحترام تعقيدات المشهد الجنوبي، ودعم مسار تسوية سياسية شاملة. فنجاح الرياض في الجنوب لن يُقاس فقط بمدى قدرتها على ضبط الأمن، بل بمدى قدرتها على المساهمة في بناء معادلة سياسية مستقرة، تُراعي تطلعات الجنوبيين وتحد من احتمالات عودة الصراع بأشكال جديدة.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن التدخل السعودي في الجنوب اليمني يدخل مرحلة أكثر براغماتية، عنوانها تقليل الكلفة وتعظيم المكاسب عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية متوازنة. غير أن تعقيد الساحة اليمنية، وتشابك المصالح الإقليمية، يجعلان من أي رهان على استقرار سريع رهانًا محفوفًا بالحذر، ما يعني أن الجنوب سيظل ساحة اختبار لقدرة السعودية على إدارة نفوذها في بيئة متغيرة باستمرار.
