البرهان يفتح أبواب السودان لأردوغان مقابل السلاح والنفوذ
لم يعد ممكناً قراءة العلاقة بين عبد الفتاح البرهان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان باعتبارها علاقة دبلوماسية عادية بين دولتين تربطهما مصالح تجارية وتاريخية. فالتطورات التي رافقت الحرب السودانية، وما كُشف عن صفقات أسلحة وطائرات مسيرة تركية، والحديث عن فرص استثمارية في الموانئ وقطاع التعدين، تطرح تساؤلات جدية حول طبيعة التفاهمات التي تجمع الطرفين، وما إذا كانت القيادة العسكرية السودانية قد وضعت موارد البلاد ومقدراتها ضمن حسابات الحصول على الدعم الخارجي.
إن وصف البرهان بأنه «باع السودان لأردوغان» يعبر عن اتهام سياسي حاد، لكنه يختزل قضية أوسع تتعلق بكيفية إدارة السلطة العسكرية للعلاقات الخارجية خلال الحرب، وبمدى استعدادها لتقديم تنازلات اقتصادية واستراتيجية مقابل تعزيز موقعها العسكري. فإثبات وجود بيع فعلي للسيادة أو مقايضة محددة يتطلب الاطلاع على العقود والاتفاقات وشروطها، لكن الوقائع المنشورة بشأن صفقات السلاح والاهتمام التركي بالموارد والموانئ تتيح مساءلة سياسية جدية للسلطة القائمة.
تاريخياً، عملت تركيا على توسيع حضورها في السودان، مستفيدة من الروابط السياسية والتجارية والدينية، ومن الموقع الجغرافي للبلاد على البحر الأحمر وفي محيط القرن الإفريقي. وشهدت زيارة أردوغان إلى السودان في ديسمبر 2017 توقيع اتفاقات ومذكرات تفاهم في قطاعات متعددة، ضمن مسعى لتعميق الشراكة بين البلدين. وتوضح وزارة الخارجية التركية أن السودان يحتل موقعاً مهماً ضمن علاقات أنقرة الإفريقية، وأن التعاون الثنائي يشمل مجالات اقتصادية وتنموية وتجارية.
لكن العلاقة التي نشأت في ظروف السلم تختلف في آثارها عندما تدخل البلاد حرباً مدمرة وتصبح السلطة العسكرية في حاجة ماسة إلى السلاح والتمويل والدعم الفني. ففي هذه اللحظة، تتغير موازين التفاوض؛ إذ لا يعود الطرفان يتعاملان من موقعين متساويين بالضرورة. فالجهة التي تحتاج إلى المعدات بصورة عاجلة قد تكون مستعدة لتقديم تسهيلات أو امتيازات أو التزامات طويلة الأمد لا تحظى بالقدر نفسه من التدقيق العام الذي كان ممكناً في الظروف الطبيعية.
وهنا تبرز مسؤولية البرهان في توضيح طبيعة العلاقة مع أنقرة. فالسودان ليس ملكاً للمؤسسة العسكرية، ولا يحق لأي قيادة أن تتصرف في موارده الاستراتيجية كما لو كانت ملكية خاصة يمكن استخدامها للحصول على دعم عسكري. ومن حق السودانيين معرفة ما إذا كانت صفقات السلاح مرتبطة بتعهدات اقتصادية، وما إذا كانت هناك التزامات بشأن الموانئ أو المناجم أو الأراضي أو البنية التحتية، وما إذا كانت هذه الاتفاقات تتضمن شروطاً تمس استقلال القرار الوطني.
في مارس 2025، كشفت «واشنطن بوست»، استناداً إلى وثائق ومراسلات قالت إنها تحققت من أجزاء منها، عن صفقة بقيمة تقارب 120 مليون دولار بين شركة «بايكار» التركية ومنظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش السوداني. وأشارت إلى أن الصفقة شملت طائرات مسيرة وذخائر ومحطات تحكم ودعماً فنياً. كما أورد التحقيق أن مسؤولين سودانيين ناقشوا مع ممثلي الشركة فرصاً محتملة لشركات تركية في التعدين ومشروع ميناء أبو عمامة.
هذه الوقائع لا تثبت وحدها وجود اتفاق سري يضع موارد السودان تحت السيطرة التركية، لكنها تفرض أسئلة لا يجوز تجاهلها. لماذا تتزامن احتياجات عسكرية عاجلة مع عروض اقتصادية استراتيجية؟ ما طبيعة التفاهمات التي تمت خلف الأبواب المغلقة؟ وهل جرى تقييم المكاسب والخسائر بالنسبة إلى الدولة السودانية على المدى الطويل، أم أن الأولوية كانت لتوفير السلاح في أسرع وقت ممكن؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الدول التي تعيش الحروب هو تحول الأزمة العسكرية إلى مدخل لإعادة توزيع الثروة والامتيازات بعيداً عن الرقابة العامة. ففي الظروف العادية، يفترض أن تخضع العقود الكبرى لدراسات جدوى ومنافسة وإجراءات قانونية ومراجعة مالية. أما خلال الحرب، فقد تتقدم الاعتبارات الأمنية على الشفافية، ويصبح من السهل تمرير التفاهمات بحجة السرية أو الضرورة، رغم أن آثارها قد تستمر عقوداً بعد توقف القتال.
ويكتسب ميناء أبو عمامة أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً إلى موقعه على ساحل البحر الأحمر وإمكاناته الاقتصادية والاستراتيجية. فالموانئ ليست مجرد منشآت تجارية؛ إنها نقاط اتصال بالتجارة العالمية، ومصادر دخل محتملة، وأدوات تأثير جيوسياسي. ومن يحصل على حق إدارتها أو تطويرها قد يكتسب نفوذاً يتجاوز الأرباح المباشرة، خصوصاً إذا ارتبط المشروع بشبكة من العقود اللوجستية والاستثمارات والاتفاقات الأمنية.
والأمر نفسه ينطبق على التعدين. فالسودان يمتلك موارد معدنية مهمة، لكن الاستفادة منها تتطلب مؤسسات قادرة على حماية الإيرادات العامة، ومنع الاحتكار، وضمان حصول المجتمعات المحلية على نصيب عادل من العوائد. وإذا دخلت شركات أجنبية إلى هذه القطاعات في ظل حرب وانقسام مؤسسي، فإن غياب الشفافية قد يجعل تقييم العقود ومراقبة تنفيذها أكثر صعوبة.
ومن هنا، لا ينبغي أن تكون القضية مجرد رفض للاستثمار التركي أو لأي تعاون اقتصادي مع أنقرة. فالعلاقات الاقتصادية المتوازنة يمكن أن تخدم السودان وتوفر فرص عمل وتدعم إعادة الإعمار. إنما تكمن المشكلة في احتمال ربط تلك العلاقات بظروف استثنائية تمنح الطرف الخارجي أفضلية تفاوضية، أو تجعل الموارد الوطنية مقابلاً غير معلن لدعم سياسي وعسكري.
كما أن حصول البرهان على دعم عسكري لا يعني بالضرورة حصول السودان على مكاسب استراتيجية متكافئة. فالسلاح قد يساعد القيادة العسكرية على تحسين موقعها في المعارك، لكنه لا يعالج انهيار الاقتصاد ولا يعيد ملايين النازحين إلى منازلهم ولا يعوض المنشآت المدمرة. وإذا كان ثمنه التزامات اقتصادية طويلة الأمد، فإن المجتمع السوداني قد يتحمل التكلفة بعد انتهاء الحرب، بينما تكون القيادة التي وقعت الاتفاق قد غادرت مواقعها.
وفي المقابل، تستفيد تركيا من توسيع علاقاتها مع دولة ذات موقع مهم على البحر الأحمر، ومن تعزيز حضور صناعاتها الدفاعية في سوق إفريقية متنامية، ومن فرص الدخول إلى قطاعات استراتيجية. وهذا لا يعني أن كل تحرك تركي ينطلق حصراً من الرغبة في السيطرة، لكنه يعني أن المصالح التركية حاضرة بقوة، وأن التعامل معها يجب أن يكون على أساس التفاوض المتكافئ والشفافية وحماية المصالح الوطنية السودانية.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما تتحدث أنقرة عن حماية سيادة السودان ووحدة أراضيه، بينما تظل تفاصيل بعض الصفقات العسكرية والاقتصادية موضع تساؤل. فالسيادة ليست شعاراً دبلوماسياً، بل قدرة فعلية على اتخاذ القرار المستقل، وإدارة الموارد بشفافية، وعدم الارتهان إلى مورد سلاح أو شريك خارجي واحد.
لذلك، فإن العبارة الأكثر دقة سياسياً ليست الجزم بأن البرهان باع السودان من دون وثائق حاسمة، بل القول إن علاقته المتنامية بأردوغان تضعه أمام اتهام خطير بالتفريط المحتمل في المصالح الوطنية، وهو اتهام لا يمكن إسقاطه إلا بالكشف عن العقود والالتزامات والضمانات التي تحكم التعاون بين الطرفين.
إن المطلوب اليوم هو نشر تفاصيل الاتفاقات العسكرية والاقتصادية التي يمكن الإفصاح عنها، وإخضاع العقود الاستراتيجية لرقابة مستقلة، وضمان عدم استخدام الثروة السودانية لتمويل ترتيبات لا يعرف الشعب شروطها. كما ينبغي أن تكون أي اتفاقات مستقبلية بشأن الموانئ أو التعدين قابلة للمراجعة وفق القانون، وأن تتضمن حماية واضحة للحقوق الوطنية والبيئية والاقتصادية.
فالسودان الذي يخوض حرباً من أجل السيطرة على السلطة لا يجوز أن يجد نفسه بعد سنوات أمام معركة أخرى لاستعادة قراره الاقتصادي. والبرهان، إذا كان واثقاً من أن علاقته بأردوغان تخدم البلاد، فعليه أن يثبت ذلك بالأرقام والعقود والضمانات، لا بالتصريحات السياسية وحدها.
