الشرق الأوسط

الصدر يعيد خلط المشهد السياسي.. ودعوته تُربك الإطار التنسيقي


أعاد مقتدى الصدر زعيم التيار الوطني الشيعي، الصدري سابقا، فتح ملف سلاح الفصائل المسلحة في العراق، عبر توجيه جديد يدفع نحو فك ارتباط “سرايا السلام” بالتيار والاندماج ضمن مؤسسات الدولة، في خطوة ينظر إليها مراقبون باعتبارها محاولة لإحراج خصومه داخل الإطار التنسيقي، وإعادة التموضع سياسيا.

وأصدر الصدر اليوم الخميس توجيها إلى عدد من قيادات “سرايا السلام” لاستكمال إجراءات حلّ الجناح العسكري خلال مدة أقصاها أسبوع، تمهيدا لدمجه ضمن مؤسسات الدولة، على أن يستكمل التسليم الكامل خلال عيد الغدير.

وبحسب وثيقة صادرة عن المكتب الخاص بالحنانة، كلف الزعيم الشيعي كلا من مدير مكتبه الخاص حيدر الجابري، والمستشار العسكري أبودعاء العيساوي، والمعاون الجهادي تحسين الحميداوي، ومسؤول “البنيان المرصوص” محمد العبودي، بإتمام ترتيبات الانفصال والاندماج، مع ضم الجانب المدني ضمن إطار “البنيان المرصوص”.

وتأتي هذه الخطوة استكمالا لإعلان سابق للصدر دعا فيه إلى انفكاك “سرايا السلام” عن التيار، وحث بقية الفصائل المسلحة على الابتعاد عن الأطر الحزبية والطائفية والانضواء تحت سلطة الدولة، في خطاب بدا موجها بصورة غير مباشرة إلى الفصائل المقربة من إيران داخل الإطار التنسيقي.

ويرى محللون أن الصدر يسعى من خلال هذا التحرك إلى الظهور بمظهر الداعم لتفكيك الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، مستفيدا من الضغوط الأميركية والإقليمية المتزايدة على بغداد بشأن سلاح الجماعات الموالية لإيران، وكذلك من التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة في المنطقة على نفوذ تلك الفصائل وأدوارها.

ويدرك زعيم التيار الصدري أن ملف السلاح بات يمثل نقطة ضعف حقيقية لخصومه داخل البيت الشيعي، ولذلك يحاول توظيفه سياسيا لإحراج قوى الإطار التنسيقي التي تجد نفسها بين ضغوط خارجية تطالب بضبط الفصائل، وحسابات داخلية تمنعها من الذهاب بعيدا في مواجهة الجماعات المسلحة الحليفة لها.

كما تمنح هذه الخطوة الصدر فرصة لإعادة تقديم نفسه كزعيم شيعي “وطني” يتبنى خطاب الدولة والمؤسسات، بعد اعتزاله السياسة خلال الأعوام الأخيرة، في وقت تتزايد فيه الدعوات العراقية لحصر السلاح وإنهاء تعدد مراكز القوة العسكرية.

ويعتقد متابعون أن الصدر يحاول أيضا استعادة زمام المبادرة داخل الساحة الشيعية عبر دفع خصومه إلى موقف دفاعي، خصوصا أن أي رفض من الفصائل الأخرى لفكرة الدمج أو التفكيك سيظهرها بمظهر المتمسك بالسلاح خارج سلطة الدولة، بينما يمنح زعيم التيار الشيعي مساحة أوسع لتسويق نفسه داخليا وخارجيا باعتباره الأكثر استعدادا للتكيف مع المتغيرات الجديدة.

وفي المقابل، يشكك خصوم الصدر في جدية الخطوة، معتبرين أنها لا تتجاوز حدود المناورة السياسية وإعادة ترتيب النفوذ داخل التيار الصدري، خاصة أن “سرايا السلام” تمثل إحدى أبرز القوى المسلحة الشيعية في البلاد وتمتلك حضورا واسعا في عدد من المناطق العراقية، لاسيما في سامراء وبغداد والجنوب.

ويأتي تحرك الصدر وسط تصاعد الجدل داخل العراق بشأن مستقبل الميليشيات، بالتزامن مع ضغوط أميركية متنامية على الحكومة العراقية لتقليص نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران، وحماية المؤسسات الأمنية الرسمية من أي ازدواجية في القرار العسكري والأمني.

وكان رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي رحب بخطوة الصدر، واعتبرها “مسارا مهما لتعزيز الاستقرار الداخلي وترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة”، داعيا جميع الفصائل إلى العمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية.

لكن مراقبين يرون أن الطريق نحو تفكيك أو دمج الفصائل لا يزال معقدا، في ظل تشابك المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية لتلك الجماعات، فضلا عن ارتباط بعضها بأجندات إقليمية تتجاوز حدود الدولة العراقية، ما يجعل أي خطوة من هذا النوع محاطة بحسابات داخلية وإقليمية دقيقة.

زر الذهاب إلى الأعلى