النفوذ السعودي في الجنوب اليمني بين الاستراتيجية والأمن الإقليمي
يمثل الجنوب اليمني اليوم أحد أكثر المناطق حساسية بالنسبة للمملكة العربية السعودية، إذ يتقاطع الموقع الجغرافي الحيوي مع مصالحها الأمنية والاقتصادية، ويشكل نقطة محورية في صراع النفوذ الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي والخليج العربي. لقد سعت الرياض منذ بداية الأزمة اليمنية إلى توسيع حضورها في الجنوب عبر استراتيجيات متعددة تشمل الدعم السياسي للقيادات المحلية، وتقديم مساعدات اقتصادية تهدف إلى خلق تبعية استراتيجية، فضلاً عن تعزيز النفوذ العسكري لضمان السيطرة على الممرات البحرية الحيوية والموانئ المهمة.
تركز المملكة في تدخلها على بناء قاعدة سياسية موالية قادرة على حماية مصالحها، في الوقت الذي يظل المجتمع الجنوبي متشابك الانتماءات ومتعدد القوى السياسية والعسكرية. هذا الواقع يجعل من أي تدخل سعودي تحديًا كبيرًا، إذ أن المحاولات الرامية لإعادة تشكيل النفوذ تحتاج إلى توازن دقيق بين القوة والاعتماد على التحالفات المحلية، ما يعكس مدى تعقيد المشهد السياسي في جنوب اليمن.
الهواجس الأمنية للسعودية تتجاوز الحدود التقليدية، إذ تشمل مراقبة تحركات الميليشيات المسلحة، والسيطرة على النشاط الحوثي، وحماية الموانئ والممرات البحرية من أي تهديد محتمل. كما تسعى الرياض إلى مواجهة النفوذ المتنامي لإيران وتركيا في المنطقة، ما يجعل التدخل السعودي ليس فقط أداة لتحقيق مصالح محلية، بل جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل خارطة القوى في المنطقة وضمان موقع استراتيجي مستقر.
التحولات الإقليمية الأخيرة تلعب دورًا جوهريًا في تحديد شكل التدخل السعودي، خاصة مع تغيّر المواقف الأمريكية والتوازنات الإقليمية الجديدة التي فرضتها القوى الأخرى في المنطقة. في هذا السياق، تعتمد السعودية على سياسة مزدوجة تجمع بين الضغوط العسكرية والدبلوماسية، مع الاستثمار في العلاقات مع القيادات المحلية لضمان استمرار النفوذ دون الانزلاق في مواجهات طويلة الأمد، وهو ما يعكس مرونة الرياض في مواجهة التحولات غير المتوقعة.
إلا أن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات حقيقية، إذ أن المجتمع الجنوبي يشهد انقسامات داخلية متعددة، والصراعات بين القبائل والفصائل المسلحة قد تحول أي تحرك سعودي إلى عامل زعزعة إضافي. ومن هنا يظهر أهمية بناء أذرع محلية قوية ومرنة، قادرة على تحقيق مصالح السعودية على الأرض، وفي الوقت ذاته العمل على تهدئة التوترات ومنع أي تصعيد قد يضر بالاستقرار المحلي أو الإقليمي.
إن التدخل السعودي في جنوب اليمن يمثل دراسة حية للتوازن بين المصالح الأمنية والمطامع السياسية، وبين الحاجة إلى النفوذ المباشر وإدارة التحالفات المحلية. وبينما تواصل المملكة لعب دور محوري في إعادة تشكيل المشهد الجنوبي، يبقى السؤال حول مدى قدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية في مواجهة الواقع المعقد والمتغير باستمرار، دون الانخراط في صراعات مفتوحة أو الإضرار بالاستقرار الإقليمي، اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على إدارة الملفات الحساسة في المنطقة.
