إيران

الولايات المتحدة تلوّح بإجراءات صارمة ضد فصائل عراقية


صعّدت الولايات المتحدة لهجتها تجاه الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، في خطوة تعكس تحوّلاً أكثر صرامة في مقاربة واشنطن للملف الأمني العراقي، وسط تحذيرات من “عواقب وخيمة” قد تطال داعمي تلك الجماعات، بينما يأتي هذا التصعيد على خلفية فرض عقوبات جديدة استهدفت سبعة من قادة هذه الفصائل، في رسالة مزدوجة إلى طهران وبغداد بأن هامش التساهل يضيق.

ورسمت وزارة الخارجية الأميركية ملامح هذا الموقف بوضوح، إذ دعت الحكومة العراقية إلى تفكيك الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران، معتبرة أن استمرار نشاطها لا يهدد فقط المصالح الأميركية، بل يقوّض أيضاً سيادة العراق واستقراره. وبين سطور البيان، تبدو واشنطن كمن يقرع جرس إنذار أخير، مطالبة بغداد بمنع استخدام أراضيها كمنصة لعمليات تزعزع أمن المنطقة.

وتتهم الإدارة الأميركية هذه الفصائل بالوقوف وراء هجمات استهدفت أفراداً ومنشآت ومصالح أميركية داخل العراق، ما دفعها إلى الانتقال من مرحلة التحذير إلى فرض إجراءات عقابية مباشرة. وفي هذا السياق، أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة إدراج سبعة قادة بارزين على قائمة العقوبات، محملاً إياهم مسؤولية التخطيط والتوجيه والتنفيذ لتلك الهجمات.

وشملت العقوبات قيادات من فصائل رئيسية مثل ‘كتائب حزب الله’ و’كتائب سيد الشهداء’ و’عصائب أهل الحق’ و’حركة النجباء’، وهي مجموعات تُعد من أبرز أذرع النفوذ الإيراني داخل العراق. وبذلك، لا تكتفي واشنطن باستهداف الأفراد، بل ترسل إشارة أوسع إلى البنية التنظيمية لهذه الفصائل، في محاولة لتطويقها مالياً وسياسياً.

ويجد العراق نفسه في موقع دقيق، أشبه بلاعب يسير فوق رقعة شطرنج تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، فقد حاول رئيس الوزراء محمد شياع السوداني رسم معادلة توازن في خطابه، مؤكداً في مقابلة مع ‘نيوزويك’ الأميركية أن بلاده تتجه نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكن دون الانزلاق إلى التبعية، موضحا أن الهدف هو بناء علاقة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، مع تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني.

وشدد أيضاً على أولوية داخلية لا تقل أهمية، تتمثل في حصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن تعدد مراكز القرار الأمني يمثل تحدياً جوهرياً أمام سيادة العراق، بينما تبدو دعوات واشنطن لتفكيك الفصائل المسلحة متقاطعة جزئياً مع الرؤية الحكومية، لكن الفارق يكمن في حساسية التنفيذ وتعقيداته السياسية والأمنية.

وسبق للسوداني أن شدد على أن فصائل الحشد الشعبي وهي ائتلاف ميليشيات متهمة بالولاء لإيران، جزء أصيل من القوات العراقية بعد دمجها في السنوات الماضية في المؤسستين الأمنية والعسكرية، لكن منتقدو هذه الخطوة اعتبروا الدمج محاولة لتوفير غطاء قانوني وسياسي لتلك الميليشيات.

ورغم الضغوط، يحاول العراق الحفاظ على موقعه كحلقة وصل بين الولايات المتحدة وإيران، مستفيداً من موقعه الجغرافي ودوره المحتمل كممر للتجارة والطاقة، غير أن هذا الدور الوسيط يواجه اختباراً صعباً في ظل التصعيد الحالي، حيث تتزايد المخاوف من انزلاق البلاد مجدداً إلى ساحة صراع بالوكالة.

وتكشف التحركات الأميركية عن استراتيجية تهدف إلى تقليص نفوذ الميليشيات الموالية لإيران داخل العراق، عبر مزيج من العقوبات والضغوط السياسية، لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيبقى مرهوناً بقدرة بغداد على المناورة بين الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية، في مشهد يبدو فيه التوازن أشبه بمحاولة الإمساك بخيوط متعددة في عاصفة لا تهدأ.

زر الذهاب إلى الأعلى