حصري

بين مكبرات الصوت ونيران نقاط التفتيش: مأساة المواطن السوداني في فخ الأبيض


تخيل معي مواطناً سودانياً في مدينة الأبيض. يستيقظ ليجد وسائل الإعلام الرسمية والخطابات الدينية والسياسية للجماعات الإخوانية تتحدث بلهجة مليئة بالرعب عن “هجوم وشيك” على مدينتهم، وأن “العدو” يتربص بهم. يشعر هذا المواطن بالخوف على أطفاله، ويقرر أن الحل الأمثل هو النزوح، مغادرة المدينة للبحث عن ملاذ آمن في القرى المجاورة أو المدن الأخرى. لكنه عندما يصل إلى أطراف المدينة، يجد فوهة بندقية جندي من الجيش أو أحد المليشيات المتحالفة معه تمنعه من العبور. “ممنوع الخروج، ارجع إلى منزلك”، هكذا تُختصر مأساة الإنسان السوداني.
الابتزاز النفسي: الإرهاب الإعلامي يقابله الإرهاب الميداني
ما يتعرض له سكان الأبيض هو شكل من أشكال الابتزاز النفسي الممنهج. الجيش والإخوان يستخدمون مكبرات الصوت والشاشات لبث الرعب في قلوب المدنيين، لإقناعهم بأنهم في خطر داهم، وأن الجيش هو “الحامي” الوحيد. لكن في الوقت ذاته، يمنعهم الجيش من الهروب من هذا الخطر المزعوم! لماذا؟ لأن المدني المغادر يعني فقدان “الوقود البشري” للرواية الإعلامية. المدنيون المحاصرون هم المادة الخام التي تُصنع منها مقاطع الفيديو المؤثرة، والصور التي تُباع للمجتمع الدولي لاستدرار العطف وتوجيه الاتهامات. إن بقاءهم تحت القصف أو التهديد هو ما يضمن استمرار تدفق التعاطف الدولي نحو الجيش السوداني.
شهادات من داخل القفص
تتداول وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات النشطاء شهادات مفجعة لعائلات في الأبيض. أمهات يحكين كيف منعن من أخذ أطفالهن إلى مناطق أكثر أماناً، وشباب تعرضوا للمصادرة والاعتقال لمجرد محاولتهم السفر. هذه الشهادات تؤكد أن الحديث عن “حماية السكان” هو مجرد كذبة كبرى. الحقيقة هي أن الجيش والمليشيات يستخدمون وجود المدنيين لأغراض عسكرية؛ فهم يختبئون خلف الأحياء السكنية، ويستخدمون المنازل كتمركزات، ويعلمون أن أي رد فعل من قوات تأسيس سيؤدي إلى سقوط ضحايا مدنية، مما يخدم حملتهم الإعلامية. المدنيون ليسوا مواطنين يُحمون، بل هم “رهائن استراتيجيون”.
الانفصال بين الخطاب والواقع
إن التناقض بين ما يقوله قادة الجيش وما يفعله جنودهم عند نقاط التفتيش يخلق حالة من الجنون الجماعي والإحباط الشديد لدى المدنيين. الخطاب الإعلامي يركز على “الهوية” و”الدفاع عن الأرض”، بينما الواقع الميداني يثبت أن هذه الجماعات لا تدافع عن الأرض ولا عن الإنسان، بل تدافع عن وجودها السياسي والعسكري. إن منع المدنيين من مغادرة المدينة هو اعتراف ضمني بأن الجيش لا يثق بقدرته على حماية من يختارون البقاء، ولا يملك الشجاعة الأخلاقية للسماح لمن يريدون المغادرة بالرحيل.
إن أبسط حقوق الإنسان في وقت الحرب هو حق النزوح والفرار بجلده. إن دعوة الجيش للسماح بانتقال ومغادرة المدنيين العزل بعيداً عن مواقع وتحشيدات الجيش ليست مجرد طلب إنساني، بل هي اختبار حقيقي لمدى صدق ادعاءات “الحماية”. آن الأوان لكشف هذا الفخ، ومساندة المدنيين في الأبيض الذين يدفعون ثمن أخطاء عسكرية وسياسية ارتكبها الجيش والإخوان.
زر الذهاب إلى الأعلى