سياسة

تراجع حظوظ الشطري يقلب موازين اختيار رئيس الحكومة العراقية


دخلت مشاورات الإطار التنسيقي لاختيار رئيس الحكومة العراقية الجديدة منعطفاً جديداً، بعد أن كشف مصدر في لجنة تقييم المرشحين أن القائمة الأولية للأسماء المتنافسة تشهد تغيرات لافتة، أبرزها انحسار فرص رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري في ظل تحفظ قوى مؤثرة داخل الإطار على الدفع بشخصية ذات خلفية أمنية لشغل المنصب التنفيذي الأعلى في البلاد.
ووفق المصدر الذي تحدث لموقع شفق نيوز الكردي العراقي، فإن اللجنة المكلّفة بدراسة السير الذاتية للمرشحين خلصت إلى أن عدداً كبيراً من الأسماء المطروحة ينتمي إلى كتل نيابية متعددة أو يرتبط بأحزاب مختلفة، إلى جانب شخصيات مستقلة تقدمت بطلب ترشيح، غير أن معظم هؤلاء لا يستوفون المعايير التي وضعها الإطار لشغل منصب رئيس الوزراء، ما دفع إلى تضييق دائرة المنافسة وإعادة النظر في خيارات البدائل.
وأضاف المصدر أن القائمة المصغرة التي ناقشتها اللجنة خلال الأيام الماضية شهدت دخول شخصيات ذات ثقل سياسي وإداري، في مقدمتهم رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس هيئة المساءلة والعدالة باسم البدري. كما برز اسم محافظ البصرة أسعد العيداني كمرشح جديد ضمن الدائرة الضيقة، في وقت تتصاعد فيه التوقعات باستبعاد الشطري من المنافسة، بعد بروز اعتراضات متزايدة داخل الإطار على ترشيح مسؤول أمني لمنصب مدني بهذا المستوى.
وفي السياق نفسه، أوضحت النائبة عن ائتلاف دولة القانون ابتسام الهلالي لنفس الموقع أن عدد الأسماء الرسمية التي رُفعت إلى اللجنة العليا التابعة للإطار لا يتجاوز 15 مرشحاً، مشيرة إلى أن ما يجري تداوله في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لا يعكس بدقة المداولات الجارية. وأضافت أن اللجنة ستباشر خلال الأيام المقبلة مقابلة المرشحين واختيار ثلاثة فقط لعرضهم على قيادة الإطار لاتخاذ القرار النهائي بشأنهم.
وأكدت أيضاً أن نوري المالكي يتمتع، وفق معطيات المشاورات، بأفضلية واضحة على باقي المرشحين، معتبرة أنه يحظى بدعم قوى سنية وكردية، ما يمنحه موقعاً متقدماً في سباق تشكيل الحكومة المقبلة، في حين يعتقد أن القوى الموالية بشكل تام لطهران هي من تدفع بهذا الاتجاه متجاهلة حجم الرفض السياسي لهذه الشخصية التي تولت في السابق رئاسة الحكومة في مرحلة وصفت بالحساسة وتسببت في العديد من الأزمات وجرت البلاد لاقتتال طائفي يتذكره العراقيون جيدا.
وكان الإطار التنسيقي قد وضع مجموعة من الشروط الواجب توفرها في المرشح لمنصب رئيس الوزراء، أهمها ألا يكون زعيماً لكتلة سياسية، وهو معيار يثير تساؤلات حول مدى إمكانية تطبيقه مع وجود أسماء بحجم المالكي والسوداني ضمن دائرة الترشيح. ويقرأ مراقبون هذه المفارقة باعتبارها انعكاساً للخلافات الداخلية داخل الإطار بين اتجاه يميل إلى شخصية سياسية ذات خبرة تنفيذية، وآخر يفضّل خياراً توافقياً أقل إثارة للانقسام.

قوى تدفع لتغليب كفة نوري المالكي
قوى تدفع لتغليب كفة نوري المالكي

وتأتي هذه التطورات في أعقاب إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات النتائج النهائية في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والتي أظهرت حصول ائتلاف التنمية والإعمار بزعامة السوداني على 46 مقعداً، ما يعزز موقعه داخل الإطار ويجعله أحد أبرز المرشحين. وفي اليوم نفسه، أعلن الإطار التنسيقي تشكيل “الكتلة النيابية الأكبر”، مستفيداً من التحالفات التي ترافقت مع نتائج الاقتراعين الخاص والعام.
وفي المقابل، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قراراً بإنهاء عمل مجلس النواب وتحويل الحكومة إلى وضع “تصريف الأعمال”، ما جعل الإطار أمام استحقاق دستوري عاجل يتطلب الإسراع في اختيار رئيس الوزراء قبل الدخول في فراغ سياسي طويل.
ويقف المشهد السياسي اليوم عند مفترق طرق: إما التوصل إلى مرشح “مطمئن” يحظى بتوافق داخلي وإقليمي، أو الانزلاق نحو مواجهة داخلية جديدة داخل البيت الشيعي في حال فشل الإطار في تقديم شخصية مقبولة من جميع أطرافه. وحتى الآن، لا تزال قيادة الإطار ترسل إشارات بأنها قادرة على إدارة التوازنات، لكن الساعات المقبلة قد تكون أكثر حساسية مع اشتداد التجاذبات.
ولا تنفصل مشاورات اختيار رئيس الحكومة عن السياق الإقليمي الأوسع، إذ يتزامن الحراك مع تصاعد التوتر بين إيران، الداعم الأبرز لقوى الإطار، والولايات المتحدة التي تراقب التطورات في بغداد عن قرب. ويرى مراقبون أن شخصية رئيس الوزراء المقبل ستشكل أحد مؤشرات اتجاه العلاقة بين الطرفين داخل الساحة العراقية، ما يزيد من تعقيد الحسابات ويضغط على الإطار لإيجاد مرشح متوازن.
وهكذا، فإن تراجع حظوظ حميد الشطري لا يعكس فقط رفضاً لشخصية أمنية، بل يعبّر عن تغيرات أعمق في أولويات الإطار ورغبته في تفادي رسائل قد تُفهم خارجياً بطريقة خاطئة في ظل الظروف الراهنة. ومع إعادة فرز المرشحين، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد منافسة ضيقة بين أسماء سياسية تمتلك خبرة حكومية وحسابات إقليمية أقل تعقيداً.

زر الذهاب إلى الأعلى