سياسة

تريندز للبحوث والاستشارات يبرز التعاون الخليجي التركي لاحتواء التوتر


في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل الأزمات السياسية والأمنية، ناقش الحوار الاستراتيجي الثامن الذي نظمه مركز ‘تريندز للبحوث والاستشارات’ بالتعاون مع منصة (تركيا اليوم’ الإعلامية التركية، ملامح الرؤية التركية للحرب في الشرق الأوسط، مسلطًا الضوء على كيفية تعامل أنقرة مع بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها المصالح وتتصادم فيها الاستراتيجيات.

وجاء الحوار في لحظة وصفها المشاركون بالمفصلية، حيث تشهد المنطقة إعادة رسم لخرائط النفوذ، وسط تحولات عميقة في طبيعة العلاقات بين القوى الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تسعى تركيا إلى ترسيخ موقعها كقوة توازن قادرة على التواصل مع مختلف الأطراف دون الانزلاق إلى محاور الاستقطاب الحاد، وهو ما يعكس توجهًا براغماتيًا يهدف إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وتعزيز حضورها الإقليمي.

وأكد المشاركون أن تداعيات الحرب لم تعد مقتصرة على البعد العسكري أو السياسي، بل امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وهي ملفات ترتبط بشكل مباشر بالمصالح التركية، نظرًا لموقعها الجغرافي ودورها كممر حيوي بين الشرق والغرب. وهذا الامتداد العابر للحدود يفرض على أنقرة تبني مقاربات متعددة الأبعاد، تجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والأمن.

وفي كلمته الافتتاحية، أشار الباحث راشد الحوسني إلى أن الحرب كشفت عن تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، مع انعكاسات متوقعة على الاستثمارات والتحالفات المستقبلية. كما لفت إلى أن تركيا تواجه معادلة دقيقة تجمع بين متطلبات الأمن القومي ومصالحها الاستراتيجية، ما يدفعها إلى اعتماد سياسة متوازنة تحافظ من خلالها على دورها الفاعل دون الانخراط في صراعات مباشرة.

وخلال الجلسة الحوارية، التي أدارتها الباحثة شما القطبة، قدم المشاركون قراءات متعددة للرؤية التركية. وأكد إلكر سيزر أن أنقرة لا تسعى لتحقيق مكاسب آنية من حالة عدم الاستقرار في الخليج، بل تعتمد على نهج دبلوماسي يركز على الاستقرار الجماعي، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران وحلف شمال الأطلسي. وأشار إلى أن أبرز التحديات التي تواجه تركيا تتمثل في احتمالات تفكك بعض الدول الإقليمية، وتقلبات أسعار الطاقة، واستمرار بعض القوى في اتباع سياسات تصعيدية.

من جهته، تناول الدكتور بارين قايا أوغلو طبيعة العلاقة بين تركيا وإيران، واصفًا إياها بالعلاقة المركبة التي تجمع بين التنافس والتعاون في آن واحد، موضحا أن هذه العلاقة تحكمها براغماتية واضحة، حيث تحرص أنقرة على احترام الخطوط الحمراء الاستراتيجية، رغم التباينات الأيديولوجية، في إطار سعيها للحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الإقليمية.

كما استعرض توجهات تركيا في إعادة ضبط علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة وشركائها في المنطقة، مؤكدًا أن أنقرة تسعى إلى تعزيز دورها كوسيط دبلوماسي، إلى جانب كونها قوة إقليمية مؤثرة، خصوصًا في منطقة الخليج.

وفي السياق ذاته، ركز الدكتور جوكان تشينكارا على مفهوم “الاستقلالية المرنة” في السياسة التركية، معتبرًا أنها استجابة طبيعية لتحولات النظام الدولي، موضحا أن تركيا تعمل على تطوير قدراتها الدفاعية والاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى، إلا أنها تواجه تحديات اقتصادية مرتبطة بدرجة اعتمادها على رؤوس الأموال الغربية.

وأشار إلى أن التصعيد في الخليج يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، لافتًا إلى أن تركيا تتبنى مقاربة اقتصادية في العراق، مقابل استراتيجية أمنية دفاعية في سوريا، في إطار سعيها لحماية أمنها القومي ومنع أي تهديدات محتملة.

بدوره، أوضح الباحث سرهات شوبوكشو أوغلو أن تركيا تتبنى سياسة “الحياد النشط”، التي تقوم على تحقيق توازن دقيق يضمن تقليص نفوذ الخصوم دون دفعهم إلى الانهيار، مع تجنب هيمنة أي طرف إقليمي، مضيفا أن أنقرة تسعى إلى توظيف موقعها الجغرافي لتعزيز دورها كمركز لوجستي وممر رئيسي لنقل الطاقة، بالتوازي مع جهود دبلوماسية لإعادة التوازن في شرق المتوسط والشرق الأوسط.

واختتمت الباحثة لطيفة إبراهيم الجنيبي أعمال الجلسة بالتأكيد على أن المشهد الإقليمي يتجه نحو مزيد من التعقيد، في ظل تداخل الأبعاد الأمنية والاقتصادية والسياسية، ما يتطلب من الدول الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا، تبني سياسات أكثر مرونة وابتكارًا.

وشدد المشاركون على أن نجاح تركيا في ترسيخ دورها كقوة توازن ووسيط إقليمي سيظل مرهونًا بقدرتها على إدارة التحديات الداخلية، خصوصًا الاقتصادية، بالتوازي مع التعامل مع التحولات المتسارعة في النظام الدولي. كما أكدوا أن المرحلة المقبلة تحمل فرصًا حقيقية لأنقرة لتعزيز نفوذها الإقليمي، بشرط قدرتها على تحويل التحديات الجيوسياسية إلى أدوات لتعزيز الاستقرار.

ويعكس هذا الحوار اتساع الاهتمام الدولي بدور تركيا في صياغة توازنات جديدة في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى قوى قادرة على لعب دور الوسيط، وتخفيف حدة الصراعات، وفتح آفاق جديدة للتعاون الإقليمي.

زر الذهاب إلى الأعلى