الشرق الأوسط

تصعيد في الخطاب.. نعيم قاسم يتوعد إسرائيل بمواجهة مفتوحة


في تصعيد جديد ينذر بتوسّع رقعة النار على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، أعلن الأمين العام لـحزب الله، نعيم قاسم الأربعاء أن إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل يأتي “رداً على العدوان الإسرائيلي الأميركي على لبنان”، نافياً أن تكون الرشقات الصاروخية الأخيرة هي التي تسببت بالهجوم الإسرائيلي الواسع، ومشددا على أن “سلاح المقاومة حق مشروع وليس مجالاً للسجال”.

وفي كلمة مطولة تزامنت مع شهر رمضان، وضع قاسم المواجهة الجارية في سياق يمتد، بحسب قوله، إلى خمسة عشر شهراً من الانتهاكات اليومية التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مؤكدا أن الحزب التزم بالاتفاق بالتنسيق مع الدولة اللبنانية، بينما لم تلتزم إسرائيل بأي من بنوده.

وأشار إلى أن الحزب وافق على المسار الدبلوماسي وامتنع عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة “كي لا يُتهم بإعاقة العمل الدبلوماسي”، معتبراً أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة اللبنانية، غير أنه شدد في المقابل على أن “للصبر حدوداً”، وأن استمرار ما وصفه بالتمادي الإسرائيلي دفع الحزب إلى اتخاذ قرار الرد.

وقدم قاسم أرقاماً قال إنها تعكس حجم التصعيد خلال الأشهر الماضية، متحدثاً عن نحو 500 قتيل، وأكثر من عشرة آلاف خرق بري وبحري وجوي، إضافة إلى تهجير أكثر من 85 قرية وبلدة حدودية، وتدمير ممتلكات ومنشآت، بينها مؤسسات إعلامية ومراكز اجتماعية.

جدل السلاح والسيادة

وفي معرض رده على الدعوات الداخلية والدولية لحصر السلاح بيد الدولة، اعتبر الأمين العام لحزب الله أن المشكلة لا تكمن في سلاح المقاومة، بل في “خرق الاحتلال الإسرائيلي لسيادة لبنان”. وهاجم ما وصفه بـ”تنازلات” حكومية أضعفت موقع الدولة وشرعنت حرية العدوان الإسرائيلي.

كما اتهم إسرائيل بالتحضير المسبق للحرب، معتبراً أن ما جرى بعد الرشقة الصاروخية الأخيرة “ليس رداً آنياً بل عدوان مُعدّ له”، مشيراً إلى استدعاء عشرات آلاف من قوات الاحتياط الإسرائيلية في الشمال.

وفي سياق حديثه عن التوقيت، كشف قاسم عن رسائل نُقلت عبر وسطاء قبل اندلاع الحرب على إيران بشهر تقريباً، تتعلق بإمكانية تدخل الحزب في حال اندلاع مواجهة مع طهران، موضحا أن إسرائيل كانت تضع خيار مهاجمة لبنان أو إيران أو كليهما، وأنها اختارت البدء بإيران، “على أن يكون لبنان لاحقاً في دائرة الاستهداف”.

تصعيد على أكثر من جبهة

وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع جغرافياً وميدانياً وسياسياً، إذ يتقاطع التصعيد بين إسرائيل ولبنان مع الحرب الدائرة على إيران، التي يُعدّ حزب الله أحد أبرز حلفائها الإقليميين، فمنذ اندلاع الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، برزت مخاوف من انتقال المواجهة إلى ساحات أخرى، وفي مقدمتها الجنوب اللبناني.

وقد أعلن الحزب في بياناته أن عملياته الأخيرة تأتي أيضاً رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ضمن ما وصفه بـ”العدوان الأميركي الإسرائيلي المتواصل على إيران” وهو ما يعزز الترابط بين الجبهتين، ويكرّس مشهداً إقليمياً مفتوحاً على احتمالات متعددة.

وأعلنت إسرائيل من جهتها إطلاق “معركة هجومية” لمواجهة حزب الله، ونفذ سلاحها الجوي سلسلة غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في جنوب لبنان، مؤكدة أنها تستهدف بنى تحتية عسكرية تابعة للحزب، فيما تقول وكالة الأنباء اللبنانية إن القصف طال منشآت مدنية.

ويُضاف هذا التصعيد إلى سجل دموي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين قتلت إسرائيل أكثر من أربعة آلاف شخص وأصابت نحو 17 ألفاً في لبنان، قبل أن تتحول العمليات في سبتمبر/أيلول 2024 إلى حرب شاملة.

ميدانياً، أعلن حزب الله منذ فجر الأربعاء تنفيذ 15 هجوماً بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت مواقع وقواعد عسكرية في شمالي ووسط إسرائيل، إضافة إلى اشتباكات مباشرة مع قوة إسرائيلية حاولت التقدم نحو مدينة الخيام جنوبي لبنان.

وأوضح أن مقاتليه فجّروا عبوة ناسفة واشتبكوا مع قوة إسرائيلية في الحارة الجنوبية لمدينة الخيام، ما أسفر عن إصابات مؤكدة في صفوفها، قبل أن يستهدف قوة أخرى جاءت من تلة الحمامص لدعمها بصلية صاروخية، مؤكداً استمرار الاشتباكات.

كما أعلن استهداف تجمع لقوات إسرائيلية في مستوطنة كريات شمونة بصلية صاروخية قال إنها حققت إصابات مباشرة استدعت تدخل مروحيات لإجلاء المصابين.

وفي عمق الأراضي الإسرائيلية، قال الحزب إنه استهدف قاعدة ‘تل هشومير’، مقر قيادة الأركان جنوب شرق تل أبيب، بصلية من الصواريخ النوعية، مشيراً إلى أن القاعدة تبعد نحو 120 كيلومتراً عن الحدود اللبنانية. كما تحدث عن استهداف قاعدة ‘عين شيمر’ للدفاع الجوي شرق الخضيرة، وقاعدتي حيفا البحرية ورامات ديفيد الجوية، بسرب من المسيّرات.

وشملت العمليات أيضاً استهداف رادارات منظومة القبة الحديدية في موقع كريات إيلعيزر، وقاعدة بلماخيم الجوية جنوبي تل أبيب، إضافة إلى قاعدة ‘دادو’ مقر قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، وقاعدة ‘غيفع’ للتحكم بالمسيّرات في صفد، فضلاً عن مقر شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية وسط البلاد.

في المقابل، تفرض إسرائيل رقابة مشددة على نشر تفاصيل الخسائر الناتجة عن سقوط أو اعتراض الصواريخ، ما يحدّ من إمكانية التحقق المستقل من حجم الأضرار.

بين الردع والانزلاق

وفي ختام كلمته، شدد قاسم على أن المواجهة “دفاع وجودي” سيستمر “إلى تحقيق الأهداف”، داعياً إلى الوحدة الوطنية وإيواء النازحين باعتبارها مسؤولية حكومية ومجتمعية مشتركة. كما وجّه رسالة إلى المعارضين للمقاومة لعدم “الطعن في ظهرها” خلال الحرب.

وبين خطاب سياسي يتحدث عن الدفاع المشروع، ووقائع ميدانية تتسارع على الأرض، يبدو أن الحدود الجنوبية للبنان تحولت مجدداً إلى خط تماس ساخن في صراع إقليمي أوسع، تتداخل فيه حسابات الردع مع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في ظل حرب مشتعلة على إيران تجعل كل الجبهات مترابطة بخيوط نار واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى