سياسة

تقرير استخباراتي فرنسي يكشف خريطة نفوذ الإخوان داخل البلاد


استخبارات فرنسا تدق ناقوس الخطر بشأن تنامي نفوذ الإسلام السياسي بمختلف تياراته، محذرة من مخاطره على الديمقراطية والتماسك الوطني.

وبحسب صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، فإن هذا التحذير جاء خلال جلسات استماع رسمية أمام لجنة تحقيق برلمانية، كشفت عن خريطة مقلقة لانتشار شبكات وتأثيرات أيديولوجية توصف بأنها انفصالية، وتمتد من دور العبادة إلى المدرسة والجامعة وسوق العمل.

وسلط موقع الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة السفلى للبرلمان) الضوء على ظاهرة الإسلام السياسي في فرنسا، من خلال نشره مضامين جلسات الاستماع المنعقدة في أواخر عام 2025.

والجلسات جرت أمام لجنة التحقيق “المعنية بالروابط القائمة بين ممثلي حركات سياسية ومنظمات وشبكات تدعم العمل الإرهابي أو تروّج لأيديولوجيا الإسلام السياسي”.

وجاءت الصورة التي رسمها مسؤولو أجهزة الاستخبارات وعدد من كبار المسؤولين الحكوميين المطلعين على هذا الملف متوقعة لكنها مقلقة، لا سيما في بعض المناطق الجغرافية الحساسة.

«خريطة سوداء»

وفي إقليم أو-دو-سين (أعالين السين) قرب باريس، تشير المعطيات إلى أن ثلث أماكن العبادة الإسلامية، من أصل 34 موقعًا تم إحصاؤها، تخضع للمراقبة، إما لأن القائمين عليها معروفون بقربهم من تيارات الإسلام السياسي، وإما بسبب هشاشة الحوكمة الداخلية التي قد تجعلها عرضة للسيطرة الأيديولوجية.

أما في الإقليم المجاور سين-سان-دوني، فتؤكد التقارير وجود “حضور قديم ومؤكد لتيارات الإسلام السياسي، ولا سيما المرتبطة بجماعة الإخوان”. 

وتبرز في هذا السياق مدينة لا كورنوف في منطقة سان دوني بضواحي باريس، حيث يوجد مقر منظمة “مسلمو فرنسا”، إلى جانب تمثيل مجلس مسلمي أوروبا، الذي يُقدَّم باعتباره هيئة ضغط للإخوان على مستوى بروكسل.

كما يسجل وجود أحد المعاهد الأوروبية للعلوم الإنسانية، في مدينة سان-دوني، وهو واحد من ستة معاهد مماثلة في أوروبا.

نفوذ خفي

في منطقة ليون (جنوب شرق) وإقليم الرون، تشير أجهزة الاستخبارات إلى أن “الضغط الانفصالي المرتبط بالإسلام السياسي الإخواني قوي جدًا”، مع تأثير ملحوظ لـ”المركز الإسلامي” في جنيف، الذي أسسه في عام 1961 سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا مؤسس الإخوان.

ويرتبط هذا المركز بشبكات محلية، من بينها مركز التوحيد في ليون والمركز الثقافي في ديسين-شاربيو، الذي يضم مسجدًا، ومدرسة، ومركز تكوين، ومجمّع الكندي.

وبحسب التقديرات، يوجد في المنطقة 8 أماكن عبادة ونحو 50 جمعية قريبة من هذه التيارات، تنشط في مجالات متعددة مثل التكوين الديني، والإدماج الاجتماعي والمهني، وحماية المستهلك، مكافحة ما تصفه بـ”الإسلاموفوبيا”.

وإلى جانب التيار الإخواني، تشير التقارير إلى وجود ما لا يقل عن 5 آلاف شخص منتمين إلى التيار السلفي في المنطقة، وهو رقم يعادل عدد السلفيين الذين كانت أجهزة الاستخبارات ترصدهم على مستوى فرنسا كلها عام 2004.

تشدد وبيئات متوازية

وفي مارسيليا، ثاني أكبر مدن فرنسا، تلاحظ الأجهزة الأمنية في بعض الأحياء انتشار ممارسات دينية أكثر تشددًا بينها عدم الاختلاط، ورفض الاحتفال بالمناسبات غير الإسلامية.

كما تشير التقارير إلى صعود واضح للتيار السلفي، إذ إن ربع مساجد مارسيليا، أي 16 مسجدًا، تصنف على أنها ذات توجه سلفي.

ويميز في المدينة وجود نظامين بيئيين أيديولوجيين تيار إخواني يتمحور حول المركز الإسلامي في مارسيليا، وتيار سلفي يتركز حول مسجد “البلويت”.

وتؤكد أجهزة الاستخبارات أنها تتابع هذه الظواهر منذ سنوات طويلة، ففي باريس وضواحيها، تراقب مديرية الاستخبارات في شرطة العاصمة الوريثة التاريخية لأجهزة الاستعلامات العامة هذه الشبكات منذ عقود.

وتشير المديرية إلى “تشكل أنظمة بيئية انفصالية، يغلب عليها الطابع الإخواني”، تقوم على إنشاء شبكات متكاملة حول أماكن العبادة الأصولية، تضم: مدارس قرآنية، ومراكز تكوين للكبار، وجمعيات لمساعدة الباحثين عن عمل، وأنشطة موازية بعد المدرسة، وجمعيات خيرية.

وتهدف هذه الشبكات إلى “تنظيم جميع جوانب حياة السكان المسلمين وفق تصورات دينية محددة”، ما قد يؤدي إلى “فرض هيمنة أيديولوجية على أحياء كاملة” وتطوير استراتيجيات تغلغل داخل الجماعات المحلية والهيئات المنتخبة.

رؤية الاستخبارات الخارجية

من جهتها، ترى المديرية العامة للأمن الخارجي أن أبرز تهديد يتفاعل وينتشر داخل التراب الوطني يتمثل في الفضاء الإخواني المرتبط بالإسلام السياسي.

وتشير إلى “وجود تنظيم دولي للإخوان تراجعت قوته المركزية في مصر، وبنية أوروبية تتمركز مفاصلها الأساسية في تركيا، ممثلة في مجلس مسلمي أوروبا”.

وتصف المديرية العامة للأمن الخارجي هذا التنظيم بأنه “هرمي ومنظم”، ينشر فكره عبر قنوات تعليمية ودينية في عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا.

كما يمارس تغلغلًا سياسيًا ناعمًا، خصوصًا على المستوى المحلي والمجتمعي، مع قدرة واضحة على التأثير في بروكسل عبر منظمات مثل منظمة «Femyso».

وتحذر الاستخبارات الخارجية من أن هذا التيار “يقوض التماسك الوطني بشكل خفي ومتدرج، ويهدد القيم الجمهورية.

مؤشرات مقلقة

وعلى المستوى الداخلي، تشاطر مديرية الاستخبارات الإقليمية هذا التقييم، مؤكدة أن الإسلام السياسي يشكل، بجميع أشكاله، تهديدًا كبيرًا للأمن والتماسك الوطنيين.

ففي المدارس، تم رصد طعون متزايدة في مبدأ العلمانية، ورفض بعض الدروس (العلوم، الفلسفة، التاريخ)، ومقاطعة دروس الرسم والموسيقى والرياضة خلال فترات دينية.

كما سجلت “ذروات في الاعتداء على العلمانية” خلال أحداث إخبارية معينة، أو أثناء إحياء ذكرى اغتيال الأستاذين صامويل باتي ودومينيك برنار.

وتنقل الاستخبارات الإقليمية شهادات لمديري شركات لا يستطيعون تعيين نساء في مناصب قيادية بسبب رفض بعض الموظفين، وموظفات يطلبن تغيير مناصبهن بدعوى ضغوط دينية.

وفي قطاع النقل، سجلت حالات رفض سائقين قيادة حافلات، لأنها قادتها امرأة قبلهم.

وترى الأجهزة الأمنية أن الوقت قد حان “للانتقال إلى مستوى أعلى من المواجهة، لأن التهديد يتوسع”.

وتجمع أجهزة الاستخبارات الفرنسية على أن الإسلام السياسي، سواء في شكله العنيف أو غير العنيف، يمثل تحديًا بنيويًا طويل الأمد للجمهورية. 

وبينما تعتمد بعض التيارات على العنف، تلجأ أخرى إلى التغلغل الهادئ مستفيدة من الإطار الديمقراطي، ما يجعل مواجهتها أكثر تعقيدًا، ويطرح تحديًا مركزيًا أمام صانعي القرار في فرنسا، وفق لوفيغارو.

زر الذهاب إلى الأعلى