توتر متصاعد بين ترامب وطهران.. الدبلوماسية تختبر حدودها
بعد أشهر من التصعيد العسكري والتهديدات المتبادلة، عادت الولايات المتحدة وإيران إلى مسار الدبلوماسية عبر محادثات غير مباشرة في سلطنة عُمان، في محاولة لاحتواء خطر انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.
ورغم انتهاء المحادثات دون صدام أو ضربات عسكرية، فإنها لم تُخفِ عمق الهوة بين الطرفين، ما يجعل المسار التفاوضي هشًا ومعلّقًا بين خيارين قاسيين: حرب عالية الكلفة، أو اتفاق بشروط قد تُفسَّر في طهران على أنها استسلام
ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، لم تقتصر المطالب الأمريكية على الملف النووي وحده، بل تمتد إلى حزمة شروط شاملة ترفع سقف التفاوض إلى مستوى غير مسبوق.
وتطالب واشنطن طهران بتسليم كامل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي يُقدّر بنحو 440 كيلوغرامًا، وهو ما يكفي لصنع ما يقرب من عشرة قنابل نووية، إضافة إلى فرض قيود صارمة على مدى الصواريخ الباليستية بحيث لا تصل إلى إسرائيل، وإنهاء دعم إيران لوكلائها الإقليميين، من حماس وحزب الله إلى الحوثيين.
ويرى محللون أن هذه الشروط، بصيغتها الحالية، تعادل عمليًا “استسلامًا كاملًا”، حتى دون هزيمة عسكرية مباشرة، وهو ما يجعل قبولها من قبل طهران أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا.
كما يزيد القلق الإسرائيلي من تعقيد المشهد، في ظل تسارع إيران في إصلاح منشآت إنتاج الصواريخ الباليستية، التي يُتوقع أن تكون هدفًا مبكرًا في أي مواجهة محتملة.
استراتيجيتان متقابلتان: إطالة الوقت مقابل نصر سريع
تعكس مواقف الطرفين حسابات استراتيجية متباينة. فإيران، مستندة إلى خبرة تفاوضية طويلة يقودها عراقجي، تلجأ إلى تكتيك مألوف: إطالة أمد المفاوضات وكسب الوقت. ويبدو أن طهران تراهن على أن ترامب، المقبل على استحقاق انتخابي، قد يفضّل إعلان انتصار دبلوماسي سريع بدل الانخراط في حرب إقليمية طويلة ومكلفة قد تُقوّض حملته وشعاراته المناهضة للحروب الممتدة.
في المقابل، يسعى ترامب إلى موازنة دقيقة بين الضغط العسكري والدبلوماسية. فالحشد الأمريكي المكثف في المنطقة، والذي وصفه الرئيس بـ“أسطوله الرائع”، يهدف إلى انتزاع تنازلات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. غير أن هذا الحشد نفسه يحتاج إلى وقت للاستعداد لأي حرب إقليمية واسعة، ما يفتح نافذة مؤقتة للمفاوضات، دون ضمان لطول أمدها.
الحرب كخيار مكلف ونتائجها غير مضمونة
رغم بقاء الخيار العسكري مطروحًا، فإن كلفته المحتملة تجعل الجميع يتعامل معه بحذر بالغ. فحرب شاملة قد تؤدي إلى مقتل مئات الجنود الأمريكيين، وإلحاق أضرار جسيمة بإسرائيل بفعل الصواريخ الإيرانية وهجمات الوكلاء، وتعطيل أسواق الطاقة العالمية، فضلًا عن تأجيج عدم الاستقرار الإقليمي.
كما أن نتائجها السياسية تبقى موضع شك: فحتى لو نجحت الضربات في إسقاط النظام الحالي وقتل قياداته، فإن فرص ظهور نظام ديمقراطي ضئيلة، ويرجّح محللون أن تؤول السلطة إلى حكومة عسكرية أكثر تشددًا قد تسرّع السعي لامتلاك السلاح النووي باعتباره الضمان الوحيد للبقاء.
ضغوط داخلية وإقليمية ومأزق السياسي
تزداد المعادلة تعقيدًا بفعل الضغوط الداخلية والإقليمية. فعلى الرغم من القمع العنيف للاحتجاجات، لم تظهر انقسامات واضحة داخل بنية النظام الإيراني، الذي يرى – وفق باحثين – أن ترامب يبالغ في تقدير ضعف طهران.
وفي الوقت نفسه، يدفع حلفاء واشنطن في الخليج، مثل السعودية ومصر وعُمان، باتجاه حل دبلوماسي خشية تداعيات أي مواجهة.
أما ترامب، فيواجه مأزقًا سياسيًا داخليًا لا يقل تعقيدًا: كيف يمكنه تسويق أي اتفاق جديد بعد أن وصف اتفاق 2015 بأنه “أسوأ اتفاق في التاريخ”؟ حتى العودة إلى صيغة مشابهة – مثل تقييد التخصيب عند مستوى منخفض يقارب 3 في المائة مع رقابة دولية – قد لا تُعد نصرًا سياسيًا واضحًا، خاصة أن اتفاق 2015 حدد النسبة عند 3.67 في المائة وتضمن قيودًا زمنية طالما انتقدها الرئيس الأمريكي.
