حين يتوقف جي بي إس .. ساعة أميركية جديدة تستعد لزمن الحروب الحديثة
تجري الذراع البحثية التابعة لـ«البنتاغون» تجارب على جيل جديد من الساعات فائقة الدقة، أملا في دمجها مستقبلا بالطائرات العسكرية والرادارات، لتوفير وسيلة احتياطية موثوقة للقوات الأمريكية عندما يتعرض نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» للتشويش أو الخداع.
ولتحقيق ذلك، تعمل وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة «داربا» على معالجة نقطة ضعف تقوم على مبدأ معقد وغير معروف على نطاق واسع، مفاده أن نظام «جي بي إس» يعتمد بالكامل على التوقيت بالغ الدقة، بحسب موقع «بيزنس إنسايدر» الأمريكي.
وقال دانا جوارد، رئيس مؤسسة الملاحة والتوقيت المرن، إن «تحديد المواقع والملاحة والتوقيت هي الخدمة التي نحصل عليها من نظام «جي بي إس».
وتعمل أقمار «جي بي إس» من خلال بث طوابع زمنية فائقة الدقة بصورة مستمرة، بحسب جوارد. ويقارن جهاز الاستقبال، الذي يمكن أن يكون هاتفاً محمولاً أو نظاماً عسكرياً للأسلحة، الإشارات الصادرة من عدة أقمار اصطناعية، مستفيداً من الفوارق الطفيفة في زمن انتقالها لتحديد موقعه.
غير أن هذه الإشارات تصبح ضعيفة للغاية بحلول وصولها إلى الأرض، ما يجعلها عرضة للتداخل، وفقاً لجوارد. وقد يكون هذا التداخل متعمداً، مثل التشويش الذي يمنع جهاز الاستقبال من التقاط الإشارات، أو الخداع الإلكتروني، الذي يتم من خلاله تزويد الجهاز بمعلومات زائفة. وقد يكون أيضاً عرضياً، مثل الاضطرابات الناجمة عن النشاط الشمسي الطبيعي.
وباتت الاضطرابات، ولا سيما تلك المتعمدة خلال أوقات الحرب، مصدر قلق متزايد للبنتاغون؛ إذ أصبح نظام «جي بي إس» متغلغلاً بصورة عميقة في التقنيات العسكرية والمدنية، إلى درجة عدم وجود بديل مكافئ قادر على توفير المستوى نفسه من الدقة، بحسب جوارد.
ومن خلال ساعاتها الجديدة، تسعى «داربا» إلى تعزيز قدرة منظومة تحديد المواقع والملاحة والتوقيت (PNT) على الصمود لدى الجيش الأمريكي، إلا أن أبحاثها قد تكون لها تداعيات أوسع على أنظمة أخرى تعتمد على «جي بي إس» بما في ذلك القطاع المصرفي والإنترنت وشبكات الكهرباء.
وقد اختبرت الوكالة بالفعل هذه الساعات على طائرات وسفن ومركبات عسكرية، متجاوزة مرحلة التجارب المختبرية إلى الاختبار في بيئات تشغيلية.
وقال موكوند فينغاللاتور، مدير برنامج «داربا»، في تصريحات لـ«بيزنس إنسايدر»، إن الساعات التي طورتها الوكالة في إطار برنامج «ROCkN» قادرة على الحفاظ على توقيت بمستوى دقة «جي بي إس» لأكثر من أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من دون الحاجة إلى إعادة مزامنتها.
وأضاف أن التكنولوجيا المماثلة المتاحة حالياً لا تستطيع الحفاظ على هذه الدرجة من الدقة إلا لبضع ساعات.
وتتمثل الخطوة التالية في هذا الجهد، التي تحمل اسم «It’s About Time»، في جعل هذه الساعات عملية وقابلة للاستخدام خارج البيئات البحثية، إلى جانب تحديد مدى إمكانية تصنيعها على نطاق واسع ودمجها في المنصات العسكرية الموجودة بالفعل.
وقال جوارد إن الساعات فائقة التطور المتاحة حالياً تعاني قيوداً تتعلق بحجمها ووزنها واحتياجاتها من الطاقة، فضلاً عن تكلفتها، وهو ما يحد من إمكانية استخدامها عملياً.
ويتمثل التحدي الحالي في التغلب على هذه القيود. وقال فينغاللاتور، الذي عمل سابقاً أستاذاً للفيزياء في جامعة كورنيل: «النموذج الأولي ليس تكنولوجيا».
وكان تقرير صادر عام 2021 عن جهة رقابية حكومية قد أشار إلى مخاوف مرتبطة بالتطورات العسكرية الرامية إلى بناء منظومة أكثر قدرة على الصمود في مجال تحديد المواقع والملاحة والتوقيت.
وأوضح التقرير أنه لا توجد تقنية بديلة واحدة قادرة على توفير كل ما يحتاجه الجيش من نظام «جي بي إس»، مضيفاً أن البنتاغون سيضطر على الأرجح إلى البحث عن حلول مبتكرة متعددة.
ويمكن لمستويات الدقة الأعلى، كتلك التي قد توفرها ساعات «داربا»، أن تساعد الجيش على مزامنة المعلومات الواردة من أعداد كبيرة من أجهزة الاستشعار، وهو ما يمثل مصدر قلق متزايداً للقوات على مختلف المستويات، فضلاً عن تمكينها من تكوين صورة متماسكة عما يجري في ساحات المعارك بصورة أسرع.
وقال فينغاللاتور: «نعلم أن نظام «جي بي إس» يمكن التشويش عليه، ويمكن خداعه، وهذا له تأثير هائل على طريقة عمل قواتنا العسكرية فيما يُعرف بالمناطق المتنازع عليها كهرومغناطيسيا».
وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» مؤخراً بأن أقماراً اصطناعية روسية تسببت في اضطرابات لاتصالات نظام «جي بي إس» على شكل دفعات قصيرة، مدة كل منها نحو 10 ثوانٍ، في مناطق مختلفة حول العالم منذ عام 2019 على الأقل، رغم عدم وضوح ما إذا كانت تلك الجهود متعمدة. ولم تترتب، على ما يبدو، تداعيات كبيرة على تلك الاضطرابات القصيرة.
وقال فينغاللاتور إنه إذا تمكنت «داربا» من تطوير ساعاتها وفق المواصفات المستهدفة، فقد توفر التكنولوجيا في نهاية المطاف ليس فقط بديلاً موثوقاً عن «جي بي إس»، وإنما أيضاً توقيتاً يفوق دقة «جي بي إس» بما يتراوح بين ألف و100 ألف مرة.
وأوضح أن أحد التحديات الحالية أمام «داربا» يتمثل في توعية المؤسسة العسكرية بما يعنيه هذا المستوى من التطور.
وقال: «الأمر لا يتعلق فقط بتحسين القدرة على الصمود أمام عمليات خداع أو تشويش «جي بي إس» وإنما أيضاً بقدرات جديدة بالكامل يمكن أن توفر للقوات المشتركة ميزة استراتيجية جوهرية».
وأضاف: «لم نفكر كثيراً في السؤال: ما الذي يمكنني القيام به بصورة أفضل أو مختلفة نوعياً عندما أحصل على توقيت أفضل من «جي بي إس»؟
وتابع: «إذا كنت قد أمضيت حياتك كلها في استخدام المصابيح اليدوية، ثم أعطيتك ليزر عالي القدرة، فلن يكون واضحاً فوراً ما الذي يمكنك استخدامه من أجله».
