دونكيرك 1940.. عملية إنقاذ غيرت مسار الحرب العالمية الثانية
في أواخر ربيع عام 1940، وبينما كانت آلة الحرب الألمانية تكتسح أوروبا الغربية ضمن فصول الحرب العالمية الثانية، وجد نحو 400 ألف جندي من القوات البريطانية والفرنسية والبلجيكية أنفسهم محاصرين على شواطئ مدينة دونكيرك شمالي فرنسا.
ووفقا لموقع كولكتور، بدا المشهد آنذاك أقرب إلى نهاية كارثية للجيوش المتحالفة في الغرب، مع انهيار الدفاعات الفرنسية وتقدم الدبابات الألمانية بسرعة خاطفة.
غير أن ما تلا ذلك تحوّل إلى واحدة من أكثر عمليات الإنقاذ جرأة في التاريخ العسكري الحديث، وعُرف لاحقًا باسم «معجزة دونكيرك»، إذ تمكّنت بريطانيا من إجلاء 338 ألف جندي خلال تسعة أيام، ليعودوا لاحقًا إلى ساحات القتال ويشكلوا نواة استمرار المقاومة الأوروبية ضد ألمانيا النازية.
حصار استراتيجي نتج عن اختراق الغابات
بدأت جذور الأزمة مع اعتماد الجيش الألماني على تكتيك «الحرب الخاطفة» الذي جمع بين سرعة الدبابات والدعم الجوي الكثيف لاختراق خطوط العدو. وبعد الالتفاف على خط ماجينو الدفاعي، عبرت القوات الألمانية غابة الأردين، التي كانت تُعدّ عائقًا طبيعيًا يستحيل تجاوزه.

هذا الاختراق المفاجئ عزل القوات البريطانية المنتشرة في شمال فرنسا عن خطوط الإمداد، ودفعها إلى انسحاب اضطراري نحو دونكيرك، آخر منفذ بحري يمكن أن يتيح الهروب عبر القناة الإنجليزية.
وبحلول أواخر مايو/ أيار 1940، أصبحت القوات المحاصرة أمام خيارين أحلاهما مرّ: الاستسلام أو محاولة الإجلاء تحت النار.
طوق دفاعي بطولي يمنح الوقت للإجلاء
لم يكن إنقاذ هذا العدد الهائل ممكنًا لولا صمود قوات المؤخرة التي أقامت طوقًا دفاعيًا امتد لأكثر من 25 ميلًا حول المدينة.
وواصلت الوحدات البريطانية والفرنسية، المدعومة بقوات بلجيكية القتال رغم استسلام بلادها، خوض معارك شرسة لإبطاء التقدم الألماني.
وأدرك هؤلاء الجنود أن كل ساعة إضافية من الصمود تعني فرصة لإنقاذ آلاف آخرين.
وبينما كانت الخطوط الدفاعية تتآكل تحت ضغط الهجمات المنسقة، استمرت عمليات الانسحاب التكتيكي والهجمات المعاكسة المحدودة لإبقاء الطريق البحري مفتوحًا أمام سفن الإجلاء.
عملية دينامو.. أسطول متواضع يصنع المعجزات
في 26 مايو/ أيار 1940 أُطلقت عملية الإجلاء التي حملت الاسم الرمزي عملية دينامو، بإشراف الأدميرال بيرترام رامزي. واجهت البحرية الملكية تحديًا لوجستيًا هائلًا يتمثل في نقل مئات الآلاف عبر مياه خطرة وتحت قصف مستمر.
ومع محدودية السفن الحربية المتاحة، وجّهت الحكومة البريطانية نداءً عامًا لاستدعاء السفن المدنية.
وهكذا شارك أكثر من 800 قارب صيد ويخت وسفينة صغيرة، عُرفت باسم “سفن دونكيرك الصغيرة”، في نقل الجنود من الشواطئ إلى المدمرات الأكبر في عرض البحر.

وبمشاركة أكثر من 200 سفينة حربية بريطانية وسفن من دول حليفة، استمرت العملية حتى الرابع من يونيو/ حزيران، لتنتهي بإجلاء 338 ألف جندي، فيما قُتل أو أُسر عشرات الآلاف ممن تولوا مهمة الدفاع حتى اللحظة الأخيرة.
سلاح الجو الملكي.. درع الحماية في السماء
تزامنت العمليات البحرية مع دور حاسم أدّاه سلاح الجو الملكي، الذي وفر غطاءً جويًا للسفن المستهدفة من قبل سلاح الجو الألماني.
ونفذ الطيارون البريطانيون طلعات متواصلة لاعتراض القاذفات المعادية، كما قدّموا معلومات استطلاعية مكّنت القيادة البحرية من اختيار مسارات أكثر أمانًا.
خلال هذه المهمة قتل 56 طيارًا، إلا أن تدخلهم حال دون تحول عملية الإجلاء إلى مجزرة بحرية، ومنح الجنود المحاصرين أملاً ملموسًا في النجاة.
تشرشل يحوّل الانسحاب إلى رمز للصمود

عقب انتهاء العملية، ألقى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل خطابه الشهير أمام مجلس العموم، المعروف بعبارة “سنقاتل على الشواطئ”.
ولم يُخفِ تشرشل حجم الخسائر أو خطورة المرحلة، لكنه نجح في تحويل الانسحاب العسكري إلى قصة صمود وطني.
وعلى الرغم من سقوط فرنسا لاحقًا، حافظت بريطانيا على جيشها النظامي، ما أتاح لها مواصلة الحرب منفردة حتى انضمام الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عام 1941.
