ما بعد خامنئي.. صراع داخلي بين الفصائل يرسم مستقبل إيران
في مفارقة تعكس تحولات عميقة داخل النظام الإيراني، تتجه الجمهورية – التي تأسست على أنقاض نظام ملكي – نحو نموذج يحمل سمات وراثية واضحة، مع صعود مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل علي خامنئي، إلى واجهة المشهد.
غير أن ما يجري في طهران يتجاوز فكرة التوريث التقليدي، ليعكس ما يصفه مراقبون بـ«السياسة الاحتكارية»؛ وهي منظومة حكم تقوم على تنافس شبكات نفوذ متداخلة تستخدم المحسوبية والعلاقات العائلية أدواتٍ للهيمنة، حيث تحدد الخلفية العائلية موقع الفرد داخل هرم السلطة، وفقًا لصحيفة «التليغراف».
هذا النموذج، الذي يجمع بين ملامح الوراثة وصراع الفصائل، يُنظر إليه باعتباره أكثر مرونة من النظام الوراثي الصريح، لكنه في الوقت ذاته أكثر تعقيدًا، إذ يعيد إنتاج السلطة عبر شبكات مغلقة يصعب اختراقها، ويجعل مستقبل النظام مرهونًا بتوازنات داخلية دقيقة بين أطراف متنافسة.
صعود في الظل.. من «البيت» إلى قمة السلطة
لفهم مسار صعود مجتبى خامنئي، تعود جذوره إلى سنوات مبكرة، تحديدًا عام 2005، حين أثار مهدي كروبي اتهامات بتدخل مجتبى في العملية الانتخابية، وهو ما طُرح لاحقًا أمام المرشد عبر علي أكبر ناطق نوري.
حينها، رد علي خامنئي بوصف نجله بأنه «رجل مستقل»، في إشارة فُسّرت على أنها تمهيد مبكر لمنحه دورًا يتجاوز كونه مجرد «ابن نافذ».
على مدى سنوات، عمل مجتبى داخل مؤسسة «البيت» – مكتب المرشد – التي تحولت إلى مركز الثقل الحقيقي في الدولة، حيث تمر عبرها التعيينات الكبرى، والقرارات الاستراتيجية، والتنسيق الأمني والاستخباراتي.
ورغم غياب أي إعلان رسمي عن خلافته، فإن حضوره كان واضحًا داخل دوائر السلطة، بل وحتى في الشارع، حيث تحوّل اسمه إلى شعار في الاحتجاجات، رغم عدم ظهوره العلني.
شبكة النفوذ.. الحرس الثوري كحاضنة للصراع
لا يمكن فصل صعود مجتبى عن بنية الحرس الثوري، الذي لا يعمل فقط كجهاز عسكري، بل كشبكة نفوذ متشعبة تتحكم في مفاصل الاقتصاد والسياسة والأمن. وقد ساهمت هذه الشبكات في ترسيخ نموذج «السياسة الاحتكارية»، حيث تتوزع مراكز القوة بين فصائل متنافسة لكنها مترابطة.
في هذا السياق، يبرز معسكر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والقائد السابق في الحرس الثوري، بوصفه ممثلًا للجناح الأكثر تشددًا، مدعومًا بولاءات داخل المؤسسة العسكرية.
في المقابل، مثّلت شبكة علي لاريجاني – قبل مقتله – تيارًا يُوصف بالبراغماتي، سعى إلى تقديم نفسه كشريك محتمل للغرب وقوة قادرة على إدارة الاستقرار الداخلي.
اغتيالات تعيد تشكيل ميزان القوى
شكّل مقتل علي لاريجاني، وفق ما أعلنه يسرائيل كاتس، ضربة قاسية لأحد أبرز أركان النظام، إلى جانب مقتل غلام رضا سليماني، قائد قوات الباسيج.
وقد أعادت هذه التطورات رسم موازين القوى داخل النظام، وعززت موقع الفصائل الأكثر تشددًا، في مؤشر على أن الصراع لم يعد داخليًا فقط، بل بات متشابكًا مع ضغوط خارجية تهدف إلى إضعاف النظام ككل.
ورغم أن تثبيت مجتبى في موقع القيادة عُدّ مكسبًا لمعسكر قاليباف، فإن غياب معارضة صريحة من معسكر لاريجاني يفتح الباب أمام قراءة مختلفة، مفادها أن بعض الفصائل قد تراهن على قصر مدة حكمه، تمهيدًا لإعادة ترتيب المشهد لاحقًا.

تتردد أسماء عدة في كواليس الخلافة، من بينها صادق لاريجاني، وحسن روحاني، إضافة إلى حسن الخميني. ويرى محللون أن مستقبل القيادة سيتحدد إلى حد كبير بناءً على مآلات الحرب الراهنة، سواء عبر ضغوط اقتصادية أو اضطرابات داخلية أو تصعيد عسكري.
وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة، إذ تشير تسريبات إلى أن علي خامنئي نفسه حذّر من انتقال السلطة بالوراثة، إدراكًا لما قد يسببه ذلك من تقويض لشرعية النظام، خاصة في ظل افتقار مجتبى للكاريزما والإرث الثوري والشبكات المستقلة التي تمتع بها أسلافه، ما يجعله معتمدًا بشكل كبير على الفصائل التي أوصلته.
رسالة إلى الغرب: وهم «الاعتدال»
يحمل هذا المشهد رسالة واضحة للغرب، مفادها أن الرهان على وجود تيار «معتدل» داخل النظام قد يكون مضللًا. فرغم التباينات بين الفصائل، فإنها تتفق – بحسب مراقبين – على جوهر واحد يتمثل في الحفاظ على النظام، عبر القمع الداخلي واستخدام أدوات الضغط في الخارج.
وفي هذا الإطار، حذّرت الاستخبارات الداخلية البريطانية «إم آي5» من تصاعد الأنشطة المرتبطة بإيران على الأراضي البريطانية، مشيرة إلى إحباط عشرات المخططات خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لا تزال بعض الحكومات الغربية، بقيادة كير ستارمر، تتعامل بحذر مع طهران، في ظل اعتبارات تتعلق بالاستقرار والقانون الدولي.
