الشرق الأوسط

مخاوف من عودة داعش تثير جدلاً حول ترتيبات حماية الشرع


أثارت تقارير عن طلب جهاز المخابرات التركي من نظيره البريطاني تعزيز الحماية للرئيس السوري أحمد الشرع جدلا سياسيا واستخباراتيا، بعد أن نفت أنقرة رسميا صحة هذه المعلومات، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأمنية داخل سوريا من عودة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتصاعد تهديداته ضد القيادة السورية الجديدة.

وذكرت مصادر مطلعة أن جهاز المخابرات التركي تواصل خلال فبراير/شباط الماضي مع جهاز الاستخبارات البريطاني (إم.آي6) لبحث إمكانية الاضطلاع بدور أكبر في حماية الشرع، عقب تقارير عن محاولات اغتيال استهدفته في الفترة الأخيرة.

غير أن الرئاسة التركية سارعت إلى نفي هذه الرواية، مؤكدة أن التعاون الاستخباراتي التركي مع الشركاء الدوليين في مكافحة الإرهاب قائم بالفعل، لكنه لا يشمل طلبا من هذا النوع يتعلق بحماية الرئيس السوري.

ويأتي الجدل في وقت تمر فيه سوريا بمرحلة انتقالية معقدة بعد نحو خمسة عشر شهرا على الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد، إذ لا تزال البلاد تواجه تحديات أمنية وسياسية كبيرة، في ظل انتشار السلاح وتعدد الفصائل المسلحة، إضافة إلى التوترات الإقليمية المتصاعدة نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهو ما يزيد من هشاشة الوضع في المنطقة.

ويرى حلفاء دمشق الإقليميون والدوليون أن الشرع يمثل عاملا محوريا في منع انزلاق البلاد مجددا إلى صراع طائفي واسع أو حرب أهلية جديدة، بعد أربعة عشر عاما من النزاع الذي خلف مئات الآلاف من القتلى ودفع ملايين السوريين إلى اللجوء خارج البلاد، كما أتاح في مراحل سابقة لتنظيم الدولة الإسلامية السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية.

وتشير تقارير أمنية إلى أن الجماعات المتشددة كثفت هجماتها في الأسابيع الأخيرة ضد مواقع عسكرية وأمنية في أنحاء مختلفة من سوريا، معلنة أن الشرع أصبح “عدوها الأول”، وهو ما رفع مستوى القلق لدى الأجهزة الأمنية السورية وحلفائها بشأن احتمال استهدافه في عمليات اغتيال.

ولا تزال تفاصيل الدور الذي ربما طلبته أنقرة من لندن غير واضحة، إذ لم تكشف المصادر طبيعة الدعم المحتمل، سواء كان تقنيا أو استخباراتيا أو يتعلق بالتخطيط الأمني. ومع ذلك، فإن التعاون بين جهازي المخابرات التركي والبريطاني في الملف السوري ليس جديدا، إذ يعمل الطرفان بالفعل ضمن إطار أوسع للتنسيق الدولي في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

وأكدت الرئاسة التركية في بيان صادر عن مديرية الاتصالات أن جهاز المخابرات التركي يحافظ على تعاون فعال مع أجهزة الاستخبارات الدولية ومع الوحدات الأمنية في سوريا في مجال مكافحة الإرهاب، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن التقارير التي تحدثت عن طلب رسمي من أنقرة إلى جهاز (إم.آي6) لتولي حماية الشرع “لا تعكس الحقيقة”.

وفي المقابل، تحدثت مصادر أمنية سورية وأجنبية عن تزايد القلق داخل دمشق من تقارير تشير إلى وجود مخططات جديدة لتنظيم الدولة الإسلامية تستهدف اغتيال الشرع. وأشار مصدر تركي إلى أن جهاز المخابرات في بلاده، الذي لعب دورا مهما في دعم الحكومة السورية الجديدة وترسيخ مؤسساتها الأمنية، طلب بالفعل دعما إضافيا من الجانب البريطاني بعد حادثة مشابهة وقعت الشهر الماضي.

وذكر مصدر أمني سوري رفيع المستوى أن هذا التحرك جاء عقب اكتشاف “مخطط اغتيال خطير للغاية”، موضحا أن الأجهزة الاستخباراتية السورية والتركية والبريطانية تتبادل المعلومات بشكل مستمر في إطار التعاون الأمني لمواجهة التنظيمات المتشددة.

كما كشف مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب أن تنظيم الدولة الإسلامية حاول اغتيال الشرع واثنين من كبار الوزراء في خمس عمليات منفصلة خلال العام الماضي، إلا أن جميعها باءت بالفشل. وكانت السلطات السورية أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أنها تمكنت من إحباط اثنتين من تلك المحاولات قبل تنفيذها.

وفي خطوة لافتة، أقرت دمشق علنا للمرة الأولى هذا الأسبوع بوجود تنسيق مباشر مع جهاز المخابرات التركي، مؤكدة أن الطرفين تعاونا لإحباط هجوم لتنظيم الدولة الإسلامية كان يستهدف العاصمة. وقالت مصادر أمنية تركية إن جهاز المخابرات تمكن من تحديد هوية خلية مكونة من ثلاثة عناصر كانوا يخططون لتنفيذ تفجيرات باستخدام عبوات ناسفة يتم تفجيرها عن بعد، وهو ما مكن السلطات السورية من منع “هجوم وشيك”.

ويرى بعض المسؤولين الغربيين أن طلب تركيا دعما بريطانيا قد يكون مرتبطا أيضا برغبتها في إدخال حضور استخباراتي غربي محدود إلى دمشق، بما يوفر نوعا من التوازن في ظل التنافس القائم بين أجهزة استخبارات إقليمية على النفوذ في الملف السوري.

وبحسب مصادر استخباراتية غربية، يمكن أن يشمل التعاون بين أنقرة ولندن تكثيف عمليات التخطيط المشترك وتبادل المعلومات والقدرات التقنية، إلا أنه لم يتم اتخاذ قرار حتى الآن بشأن نشر عناصر بريطانيين على الأرض في دمشق.

غير أن مصادر أمنية سورية حذرت من أن أي وجود ميداني مباشر لجهاز الاستخبارات البريطاني قد يكون محفوفا بمخاطر كبيرة، نظرا لتعقيدات الوضع الأمني وتعدد الجهات المسلحة داخل البلاد.

وكان موضوع التعاون الأمني مع الجانب البريطاني من بين الملفات التي نوقشت خلال اجتماع عقد في دمشق في السادس والعشرين من فبراير/شباط الماضي، ضم وفدا بريطانيا برئاسة المبعوثة الخاصة إلى سوريا آن سنو، ونائب وزير الداخلية السوري اللواء عبدالقادر طحان، في إطار الجهود الدولية لدعم استقرار البلاد ومواجهة خطر التنظيمات المتشددة.

زر الذهاب إلى الأعلى