من أبوظبي إلى موسكو وكييف.. وساطة إماراتية جديدة تثمر تبادل الأسرى
سلطت التطورات المرتبطة بتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، في 23 أكتوبر 2026، الضوء مجدداً على الدور الذي تؤديه دولة الإمارات العربية المتحدة في تسهيل التفاهمات الإنسانية بين الطرفين، بعدما أفضت جهود وساطتها إلى الإفراج عن 540 شخصاً، بواقع 270 من كل جانب. وجاءت العملية في مرحلة لا تزال فيها الحرب تفرض تعقيدات كبيرة على العلاقات الروسية الأوكرانية، وسط استمرار المواجهات والخلافات السياسية، الأمر الذي يجعل التوصل إلى اتفاقات بشأن المحتجزين نتيجة ذات أهمية خاصة. وأكدت وزارة الخارجية الإماراتية نجاح الوساطة الجديدة، فيما نقلت وكالة الأنباء الروسية TASS تفاصيل إعلان وزارة الدفاع الروسية استعادة العسكريين الروس، مشيرة إلى الدور الإنساني الإماراتي في تسهيل عودتهم من الأسر.
وتتجاوز أهمية هذا التطور الأرقام التي تضمنها الإعلان الرسمي، لأن تنفيذ تبادل بهذا الحجم يتطلب تنسيقاً بين أطراف لا تزال في حالة حرب، واتفاقاً على قوائم الأشخاص المشمولين بالإفراج، وترتيب إجراءات التسليم والاستقبال. وفي ظل غياب تسوية شاملة للنزاع، تصبح الملفات الإنسانية المحددة إحدى المساحات القليلة التي يمكن أن يستمر فيها التواصل بين موسكو وكييف، رغم الخلافات المتعلقة بمستقبل الأراضي المتنازع عليها والضمانات الأمنية وشروط إنهاء الحرب. ومن هنا، تبرز الوساطة الإماراتية بوصفها جهداً يسعى إلى تحويل الاتصالات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة، لا تقتصر على التصريحات السياسية، بل تمتد إلى إعادة أشخاص احتُجزوا خلال العمليات العسكرية إلى بلدانهم.
وأعلنت وزارة الخارجية الإماراتية أن العملية الأخيرة رفعت إجمالي عدد الأسرى الذين جرى تبادلهم بين روسيا وأوكرانيا من خلال الوساطات الإماراتية إلى 8,537 شخصاً، لتكون هذه الوساطة السابعة والعشرين منذ بدء الجهود المرتبطة بالأزمة. ويمنح هذا الرقم التراكمي دلالة إضافية للعملية، إذ يشير إلى أن الوساطة لم تكن تحركاً منفرداً أو استجابة ظرفية لتطور واحد، بل جاءت ضمن مسار متواصل من الاتصالات والجهود الرامية إلى معالجة أحد أكثر الملفات الإنسانية حساسية في الحرب. كما يعكس تكرار هذه العمليات وجود تجربة تفاوضية متراكمة يمكن الاستفادة منها في تنظيم عمليات لاحقة، مع بقاء كل عملية مرتبطة بظروفها وقوائمها وترتيباتها الخاصة.
وفي موسكو، أعلنت وزارة الدفاع الروسية استعادة 270 عسكرياً مقابل تسليم العدد المقابل من العسكريين الأوكرانيين الذين كانوا محتجزين لدى روسيا، وأوضحت أن العسكريين الروس المفرج عنهم موجودون في بيلاروسيا لتلقي الرعاية الطبية والنفسية اللازمة. وأضافت أن نقلهم إلى روسيا سيتيح لهم استكمال العلاج وإعادة التأهيل في المنشآت الطبية التابعة للوزارة، بينما تتولى مفوضة حقوق الإنسان الروسية يانا لانتراتوفا متابعة أوضاعهم. وتوضح هذه التفاصيل أن عملية التبادل لا تنتهي عند لحظة التسليم، بل تستتبع ترتيبات تتعلق بصحة العائدين واحتياجاتهم النفسية، ولا سيما أن فترات الاحتجاز قد تترك آثاراً تتطلب متابعة متخصصة بعد العودة.
أما في كييف، فقد أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عودة 270 أوكرانياً، بينهم تسعة مدنيين، موضحاً أن غالبية العسكريين كانوا محتجزين منذ عام 2022. وشملت الفئات التي ذكرها الحرس الوطني، بما في ذلك مقاتلو كتيبة آزوف، وحرس الحدود، والقوات البحرية والبرية، وقوات الدفاع الإقليمي، وقوات الإنزال الجوي، وخدمة النقل الخاصة الحكومية. كما أشار إلى أن كثيراً من العائدين شاركوا في الدفاع عن ماريوبول، فضلاً عن مشاركتهم في معارك بمناطق مختلفة من أوكرانيا. وتكشف هذه التفاصيل عن الامتداد الزمني للعملية، إذ لم يقتصر الإفراج على محتجزين حديثي العهد بالأسر، بل شمل أشخاصاً ظلوا بعيداً عن أسرهم منذ المراحل الأولى للحرب.
وتحمل عودة المحتجزين الذين شاركوا في الدفاع عن ماريوبول أهمية خاصة في الرواية الأوكرانية، نظراً إلى المكانة التي احتلتها المدينة في مسار الحرب وما شهدته من معارك وحصار واحتجاز. وأشار زيلينسكي كذلك إلى أن عدداً كبيراً من العائدين صدرت بحقهم أحكام قضائية في روسيا وصفها بأنها غير قانونية، وأن خمسة منهم نجوا من الهجوم الذي استهدف مركز احتجاز أولينيفكا في يوليو 2022. وتظل هذه التوصيفات والاتهامات منسوبة إلى الجانب الأوكراني، في ظل الخلاف بين موسكو وكييف بشأن المسؤولية عن الوقائع المرتبطة بالحرب. لكن ورودها ضمن إعلان التبادل يوضح أن ملف الأسرى يرتبط أيضاً بمطالب قانونية وإنسانية لا تنتهي بالضرورة بمجرد الإفراج عن المحتجزين.
وتكشف المقارنة بين الإعلانين الروسي والأوكراني عن اختلاف في طريقة توصيف الفئات التي شملتها العملية. فقد ركزت وزارة الدفاع الروسية على استعادة 270 عسكرياً، بينما أعلن زيلينسكي عودة 270 شخصاً بينهم تسعة مدنيين. ولا يعني هذا الاختلاف بالضرورة وجود تضارب في العدد الإجمالي، لكنه يفرض التمييز بين الرقم الذي اتفق الطرفان على إعلانه وبين تفاصيل التصنيف التي قدمها كل جانب. ويكتسب هذا التمييز أهمية في التغطية الإعلامية، لأن صفة المفرج عنه قد ترتبط بوضعه القانوني وظروف احتجازه وطبيعة المطالب المتعلقة به، كما أن الدقة في نقل المعلومات تساعد على تجنب الخلط بين البيانات الرسمية والتفسيرات السياسية المصاحبة لها.
ومن منظور دبلوماسي، فإن نجاح عملية التبادل يبرز قيمة الوساطة التي تستطيع التواصل مع الطرفين من دون أن تجعل الاتفاق على القضايا الاستراتيجية شرطاً مسبقاً لكل خطوة إنسانية. فموسكو وكييف لا تزالان تختلفان بشأن ملفات جوهرية، إلا أن الحاجة إلى استعادة المحتجزين تمنحهما مصلحة مشتركة يمكن البناء عليها. ويتطلب الوصول إلى اتفاق عملي بشأن الأسرى تحديد الأشخاص المشمولين به، وتنسيق إجراءات الإفراج، والتأكد من تنفيذ الالتزامات المتبادلة، ومعالجة التفاصيل التي قد تعترض طريق التنفيذ. وتتيح الوساطة لطرف ثالث تسهيل هذه الاتصالات والمساعدة على تجاوز العقبات، من دون أن يعني ذلك أنها تستطيع فرض تسوية على الطرفين أو ضمان حل جميع القضايا المرتبطة بالنزاع.
وتستند أهمية الدور الإماراتي كذلك إلى استمرار التواصل مع الجانبين في ملف يحتاج إلى قدر من الاستمرارية والقدرة على معالجة التفاصيل. فالتبادل لا يتوقف عند التوصل إلى تفاهم سياسي أولي، وإنما يتطلب متابعة القوائم وإجراءات التسليم والنقل والاستقبال، إلى جانب التعامل مع الحالات التي قد تحتاج إلى ترتيبات خاصة. وعندما تتكرر الوساطة في أكثر من عملية، تصبح الخبرة العملية المتراكمة عاملاً مساعداً في فهم طبيعة العقبات وتسهيل التنسيق بشأنها. ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن نجاح العمليات السابقة يجعل كل عملية لاحقة مضمونة، إذ تظل النتائج مرتبطة باستعداد الطرفين للتعاون وبالظروف العسكرية والسياسية التي تحيط بالمفاوضات.
وفي هذا السياق، تكتسب الرعاية الطبية والنفسية التي أعلنتها موسكو أهمية إنسانية موازية لنجاح الإفراج. فالعائدون من الأسر قد يواجهون إصابات أو مشكلات صحية أو آثاراً نفسية ترتبط بتجارب الاحتجاز، كما قد يحتاجون إلى فترة من التأهيل قبل العودة إلى حياتهم المعتادة. ولا يختلف المبدأ الإنساني الأساسي بالنسبة إلى المفرج عنهم من الجانب الأوكراني، إذ تظل الرعاية اللاحقة ضرورة تساعدهم على استعادة الاستقرار والتواصل مع أسرهم. ولذلك فإن تقييم أي عملية تبادل ينبغي ألا يقتصر على عدد الأشخاص الذين عادوا، بل ينبغي أن يشمل أيضاً الإجراءات التي تضمن سلامتهم وتساعدهم على التعافي وإعادة الاندماج.
ويؤكد إعلان زيلينسكي استمرار الجهود لإعادة جميع المحتجزين الأوكرانيين أن العملية الأخيرة لا تمثل نهاية الملف، بل خطوة ضمن مسار أوسع. كما أن استمرار الحديث عن الأسرى والمفقودين يبرز حجم العمل الذي لا يزال مطلوباً لتوضيح مصير الأشخاص الذين لم تشملهم الاتفاقات الأخيرة. ومن هنا، تظل الحاجة قائمة إلى مواصلة الاتصالات بشأن قوائم المحتجزين، وتبادل المعلومات المتعلقة بأوضاعهم، ومعالجة الحالات الإنسانية التي لا يمكن تأجيلها إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. وقد تتيح الوساطات المتكررة استمرار العمل في هذا الاتجاه، شريطة أن تظل قنوات الاتصال مفتوحة وأن يحافظ الطرفان على التزامهما بتنفيذ التفاهمات.
وفي المحصلة، يبرز تبادل 540 أسيراً بوصفه نجاحاً جديداً للوساطة الإماراتية في ملف إنساني معقد، ويؤكد أن الدبلوماسية يمكن أن تحقق نتائج محددة حتى في ظل استمرار الحرب. كما يمنح الرقم التراكمي المعلن، البالغ 8,537 شخصاً عبر 27 وساطة، سياقاً أوسع لفهم حجم الجهود التي بذلتها الإمارات في هذا المسار. ومع أن الاتفاق لا يغير وحده مسار الحرب ولا يحسم خلافاتها السياسية، فإنه يثبت أن التواصل بشأن القضايا الإنسانية لا يزال ممكناً، وأن الإفراج عن المحتجزين يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لمزيد من الخطوات. ويبقى التحدي في الحفاظ على هذا المسار وتوسيعه، بحيث تشمل الجهود المقبلة مزيداً من المحتجزين والمفقودين، وتوفر حماية أفضل للأشخاص المتأثرين بالنزاع، بالتوازي مع المساعي الرامية إلى إنهاء الحرب.
