اعتقال أحمد هارون.. هل يضحي البرهان بأحد أبرز رجال البشير لفتح أبواب واشنطن وتخفيف الضغوط الدولية؟

لم يكن اعتقال أحمد هارون، الرئيس السابق لحزب المؤتمر الوطني وأحد أبرز أركان نظام الرئيس المعزول عمر البشير، مجرد خبر أمني عابر في المشهد السوداني المضطرب، بل حمل في توقيته وطبيعة الشخصية المستهدفة دلالات سياسية وقضائية تتجاوز مسألة توقيف مسؤول سابق مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية منذ نحو عقدين. فالخطوة، التي أكدها مسؤولون في حزب المؤتمر الوطني ومحامون عن هارون، تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن حسابات قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، ومستقبل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيار الإسلامي الذي شكل أحد أهم مكونات نظام البشير، فضلا عن الرسائل التي قد تكون الخرطوم بصدد توجيهها إلى المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية.
وتزداد أهمية التطور بالنظر إلى أن أحمد هارون ليس شخصية هامشية داخل النظام السابق، ولا مجرد مسؤول حكومي انتهى نفوذه بسقوط البشير في أبريل/نيسان 2019، بل يمثل أحد الوجوه التي ارتبطت بمفاصل السلطة السياسية والأمنية خلال سنوات حكم الإنقاذ، كما ارتبط اسمه بملف دارفور والانتهاكات التي شهدها الإقليم خلال الحرب التي اندلعت عام 2003. ولذلك فإن وضعه مجددا تحت قبضة الجيش، بعد سنوات من الغموض بشأن مكان وجوده وتحركاته، يعيد إلى الواجهة ملف المطلوبين للعدالة الدولية، ويطرح سؤالا أكثر حساسية: هل بدأت قيادة الجيش السوداني إعادة ترتيب علاقتها مع قيادات النظام السابق، أم أن الاعتقال يمثل خطوة محسوبة لإعادة تقديم البرهان أمام العواصم الغربية باعتباره طرفا مستعدا للتعامل مع ملفات العدالة والمحاسبة؟
وبحسب ما أوردته وكالة رويترز، أكد مسؤولان في حزب المؤتمر الوطني اعتقال هارون، فيما أفادت وكالة أسوشيتد برس نقلا عن محاميين من فريق الدفاع عنه بأن السلطات العسكرية أعادت توقيفه في ولاية كسلا شرقي السودان، دون أن تتضح وجهته بعد الاعتقال أو الجهة التي تتولى احتجازه. ولم يصدر، حتى الآن، إعلان تفصيلي من الجيش يشرح ملابسات العملية أو الأساس القانوني لها، كما لم تعلن المحكمة الجنائية الدولية تلقيها إخطارا رسميا بشأن تسلمه.
توقيت الاعتقال.. لماذا تحرك البرهان الآن؟
يكتسب توقيت اعتقال أحمد هارون أهمية استثنائية، خصوصا أنه جاء بعد ظهوره الإعلامي في مقابلة بثها برنامج «بودكاست السودان»، تحدث خلالها عن العلاقة بين حزب المؤتمر الوطني والجيش، وعن طبيعة التقاطع بين الطرفين في الحرب الحالية ضد قوات الدعم السريع. وقد شكل ذلك الظهور عودة لافتة لهارون إلى المجال العام بعد سنوات من الابتعاد عن الأضواء، وأعاد اسمه إلى واجهة النقاش السياسي في وقت تشهد فيه البلاد صراعا عسكريا محتدما وتنافسا على تحديد مستقبل السلطة ومراكز النفوذ.
واللافت في تصريحات هارون أنه أقر بوجود اختلافات سياسية بين حزبه والمؤسسة العسكرية، لكنه شدد في الوقت نفسه على وحدة الطرفين في مواجهة قوات الدعم السريع. وهذه المعادلة تعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين الجيش والتيار الإسلامي، حيث لا يبدو الطرفان متطابقين بالضرورة في الرؤية المتعلقة بشكل الحكم ومستقبل السلطة، لكنهما يلتقيان في مواجهة الخصم العسكري المشترك.
ومن هنا، يمكن قراءة الاعتقال باعتباره تحركا قد يرتبط بمحاولة الجيش ضبط المجال السياسي المحيط به، ومنع أي شخصية أو تنظيم من الظهور باعتباره شريكا مساويا في القرار العسكري والسياسي. فقيادة البرهان، التي تخوض حربا طويلة وتحتاج إلى الاحتفاظ بصورة المؤسسة العسكرية باعتبارها مركز القرار الرسمي، قد لا تكون مرتاحة لخطاب سياسي يصدر عن قيادة حزب سابق يحاول تقديم نفسه باعتباره طرفا مستقلا يمتلك شرعية المشاركة في تحديد مستقبل البلاد.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه الجيش إلى الدعم الميداني والسياسي من القوى المتحالفة معه، يظل من مصلحته ألا يتحول هذا الدعم إلى نفوذ سياسي مستقل يفرض عليه شروطا أو يضعف قدرته على احتكار القرار. وبذلك قد يكون اعتقال هارون مؤشرا على وجود حدود يريد البرهان رسمها أمام قيادات النظام السابق، حتى وإن كانت هذه القيادات تتقاطع معه في الموقف من قوات الدعم السريع.
لكن هذه القراءة لا تمثل حقيقة مثبتة بشأن دوافع الاعتقال؛ إذ لا تزال الملابسات الرسمية غائبة، ولا توجد معلومات مؤكدة تربط العملية بقرار سياسي مباشر من البرهان أو بخلاف محدد بين الرجلين. كما أن توقيت الاعتقال بعد المقابلة الإعلامية يثير تساؤلات، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن تصريحات هارون كانت السبب المباشر في توقيفه.
المؤكد أن الخطوة تأتي في لحظة تتزايد فيها حساسية العلاقة بين الجيش وحلفائه السياسيين، وتصبح فيها مسألة من يتحدث باسم السلطة، ومن يمتلك حق رسم مستقبل السودان، جزءا من معركة النفوذ التي تتجاوز ساحات القتال.
البرهان وواشنطن.. هل يتحول الاعتقال إلى ورقة لتخفيف الضغوط الدولية؟
في موازاة الحسابات الداخلية، يبرز البعد الأميركي باعتباره أحد أكثر الجوانب حساسية في توقيف أحمد هارون. فالولايات المتحدة لم تكتف خلال السنوات الماضية بانتقاد سجل النظام السوداني السابق في مجال حقوق الإنسان، وإنما اتخذت خطوات مباشرة لاستهداف شخصيات ارتبطت بالانتهاكات في دارفور، وكان هارون من بين أبرز الأسماء التي وضعتها واشنطن ضمن دائرة الملاحقة.
ففي 29 يناير/كانون الثاني 2024، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إدراج أحمد هارون ضمن برنامج مكافآت جرائم الحرب، بسبب الاتهامات المرتبطة بدوره خلال النزاع في دارفور، بما في ذلك اتهامات تتعلق بتجنيد وتسليح وتمويل ميليشيات الجنجويد، التي تعتبرها واشنطن سلفا لقوات الدعم السريع. ويمثل هذا الإدراج مؤشرا على أن الملف لم يكن بالنسبة إلى الإدارة الأميركية مجرد قضية تاريخية مرتبطة بنظام البشير، بل ظل جزءا من مقاربتها للانتهاكات التي شهدها السودان.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى اعتقال هارون باعتباره فرصة سياسية قد يحاول البرهان استثمارها لإرسال إشارات إيجابية إلى واشنطن، خصوصا أن القيادة العسكرية السودانية تواجه ضغوطا متزايدة تتعلق بمسؤوليتها عن مسار الحرب، والانتهاكات المنسوبة إلى أطراف الصراع، وطبيعة القوى السياسية والعسكرية التي تستند إليها في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.
فمنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، أصبحت علاقة الخرطوم بالعواصم الغربية محكومة بمجموعة معقدة من الملفات، تشمل وقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتهيئة الظروف لعملية سياسية لا تعيد إنتاج النظام السابق أو تمنح الجماعات المسلحة والسياسية المتورطة في الصراع نفوذا خارج مؤسسات الدولة.
ومن شأن توقيف شخصية بحجم أحمد هارون أن يمنح البرهان فرصة للتأكيد على أن الجيش ليس بالضرورة رهينة للتحالفات السياسية القديمة، وأنه قادر على اتخاذ إجراءات تطال حتى شخصيات نافذة في النظام السابق، إذا اقتضت الحسابات القانونية والسياسية ذلك.
لكن هذه الرسالة لن تكون كافية بمفردها لإحداث تحول في الموقف الأميركي. فواشنطن لا تنظر إلى ملف العدالة من زاوية اعتقال شخص واحد، وإنما تراقب مدى استعداد السلطات السودانية للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، والتعامل مع بقية المطلوبين، وضمان عدم إفلات المتهمين من المحاسبة، إلى جانب وقف الانتهاكات الجارية خلال الحرب الحالية.
كما أن الاعتقال لا يعني بالضرورة وجود تفاهم مسبق بين البرهان والإدارة الأميركية، ولا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تثبت أن واشنطن طلبت توقيف هارون أو أن العملية جاءت نتيجة مفاوضات سرية بين الطرفين. ولذلك فإن الحديث عن محاولة تحسين صورة البرهان أمام الأميركيين يظل قراءة سياسية محتملة، وليس تفسيرا رسميا معلنا للعملية.
ومع ذلك، فإن توقيت الخطوة يمنحها أهمية دبلوماسية لا يمكن تجاهلها. فكلما اقتربت القيادة العسكرية من تقديم نفسها باعتبارها طرفا مستعدا للتعاون مع المؤسسات الدولية، ازدادت قدرتها المحتملة على إعادة فتح قنوات التواصل مع العواصم الغربية، خصوصا إذا اقترنت هذه الخطوة بإجراءات عملية أخرى تتجاوز الاعتقال الرمزي إلى تسليم المطلوبين والتعاون القضائي.
أحمد هارون.. من أروقة السلطة إلى قائمة المطلوبين دوليا
لفهم حجم التداعيات السياسية والقضائية لاعتقال أحمد هارون، لا بد من العودة إلى موقعه داخل نظام عمر البشير، الذي حكم السودان ثلاثة عقود، وأقام منظومة سياسية وأمنية تداخلت فيها مؤسسات الدولة مع الحركة الإسلامية وأجهزة الحزب الحاكم.
فقد كان هارون واحدا من الشخصيات التي صعدت داخل النظام السابق بفضل علاقاتها بمراكز النفوذ السياسي والأمني، وتولى مناصب حكومية متعددة، من بينها وزير الدولة بوزارة الداخلية، ثم وزير الدولة للشؤون الإنسانية، قبل أن يشغل لاحقا منصب والي ولاية جنوب كردفان، وصولا إلى رئاسة حزب المؤتمر الوطني.
ولم يكن نفوذه مقتصرا على الجانب الإداري، بل ارتبط اسمه بواحد من أكثر الملفات دموية في تاريخ السودان الحديث، وهو النزاع في دارفور، الذي اندلع عام 2003، وتحول إلى أزمة إنسانية وأمنية دولية، بعد وقوع عمليات قتل وتهجير جماعي واعتداءات واسعة على المدنيين.
وفي 27 أبريل/نيسان 2007، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه، تضمنت 42 تهمة، منها 20 تهمة تتعلق بجرائم ضد الإنسانية و22 تهمة تتعلق بجرائم حرب، على خلفية أحداث وقعت في دارفور خلال عامي 2003 و2004 على الأقل.
وشملت التهم القتل والاضطهاد والتهجير القسري والاغتصاب والتعذيب والسجن غير المشروع، إلى جانب الاعتداء على السكان المدنيين وتدمير الممتلكات والنهب وانتهاكات الكرامة الإنسانية.
واستندت المحكمة في مذكرة التوقيف إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن هارون، بحكم موقعه داخل الحكومة السودانية آنذاك، كان على علم بالجرائم المرتكبة ضد المدنيين وبالأساليب التي استخدمتها ميليشيات الجنجويد، كما أشارت إلى تصريحات علنية اعتبرت أنها تضمنت تشجيعا على ارتكاب أعمال غير قانونية. وهذه اتهامات قضائية خطيرة، لكنها تظل اتهامات لم يصدر بشأنها حكم نهائي بإدانة هارون من المحكمة.
وتكمن أهمية هذه التفاصيل في أن اعتقال هارون لا يتعلق فقط بمسؤول سابق في حزب سياسي جرى حله بعد سقوط النظام، وإنما بشخصية يمثل ملفها أحد أبرز الاختبارات لقدرة المؤسسات الدولية على ملاحقة المسؤولين عن الجرائم الكبرى، حتى بعد مرور سنوات طويلة على وقوعها.
فالقضية لم تختف بسقوط البشير، ولم تنته بخروج هارون من المشهد السياسي، بل ظلت قائمة أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي أبقت ملفه في المرحلة التمهيدية، بانتظار اعتقاله ونقله إلى مقرها في لاهاي.
وبالتالي فإن عودة هارون إلى قبضة السلطات السودانية تفتح نافذة جديدة أمام إمكانية تحريك الملف القضائي الذي ظل معلقا منذ عام 2007، لكنها لا تعني أن العدالة تحققت بالفعل، لأن المرحلة الأكثر أهمية لا تزال مرتبطة بما ستقرره السلطات السودانية بشأن مصيره.
من سجن كوبر إلى الاعتقال مجددا.. سنوات الهروب والغموض
لا يمثل اعتقال أحمد هارون في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 المرة الأولى التي يقع فيها تحت سلطة الأجهزة السودانية بعد سقوط نظام البشير، إذ سبق أن اعتقل عقب الإطاحة بالرئيس السابق في أبريل/نيسان 2019، ضمن مجموعة من كبار المسؤولين الذين واجهوا مطالبات بالمحاسبة عن الانتهاكات والفساد خلال فترة حكم الإنقاذ.
وكان هارون من بين الشخصيات التي احتجزت في سجن كوبر بالخرطوم بحري، إلى جانب عمر البشير وعدد من المسؤولين السابقين. غير أن اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023 أدى إلى انهيار الوضع الأمني في العاصمة، وفتح الباب أمام خروج عدد من كبار المسؤولين السابقين من السجن.
ووفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، فإن هارون كان قد فر من الاحتجاز خلال الحرب، قبل أن تتمكن السلطات العسكرية من إعادة توقيفه في ولاية كسلا شرقي البلاد.
وهذه الخلفية تجعل الاعتقال الجديد مختلفا عن مجرد تنفيذ إجراء أمني بحق شخص مطلوب؛ فهو يعيد طرح السؤال بشأن كيفية تعامل الدولة السودانية مع المسؤولين السابقين الذين خرجوا من السجون خلال الحرب، والذين ظل بعضهم يحتفظ بنفوذ سياسي وتنظيمي رغم سقوط النظام الذي كانوا جزءا منه.
كما أن عودة هارون إلى الاحتجاز تضع السلطات أمام مسؤولية قانونية وسياسية أكبر، لأن استمرار احتجازه دون توضيح الأساس القانوني أو تحديد الجهة القضائية التي ستتولى ملفه قد يفتح بابا جديدا للانتقادات، خصوصا إذا لم تتضح الخطوات التالية المتعلقة بمذكرة المحكمة الجنائية الدولية.
ومن جهة أخرى، فإن وجوده مجددا تحت سيطرة الجيش يثير تساؤلات بشأن طبيعة المعلومات التي يمتلكها عن المرحلة السابقة، وعلاقاته داخل مؤسسات الحكم والأجهزة الأمنية، ومدى تأثيره في شبكة القيادات السياسية والتنظيمية المرتبطة بالمؤتمر الوطني.
ولا يمكن استبعاد أن تكون لهذا الجانب أهمية في الحسابات الداخلية، خصوصا أن الشخصيات التي شغلت مناصب حساسة خلال نظام البشير قد تمتلك معرفة بتفاصيل اتخاذ القرار السياسي والأمني، وبطبيعة العلاقات التي ربطت النظام السابق بالمؤسسات العسكرية والأجهزة الحكومية.
لكن لا توجد معطيات معلنة تثبت أن اعتقال هارون يستهدف الحصول على معلومات بعينها أو تفكيك شبكة تنظيمية محددة. ويظل هذا الجانب في نطاق الأسئلة التي ستتضح إجاباتها إذا أعلنت السلطات السودانية تفاصيل التحقيق أو طبيعة الإجراءات المتخذة بحقه.
المؤتمر الوطني والإسلاميون.. هل بدأ البرهان إعادة ضبط التحالف؟
من أكثر الملفات التي يعيد اعتقال أحمد هارون فتحها ملف العلاقة بين الجيش السوداني والتيار الإسلامي المرتبط بنظام البشير، وهي علاقة لا يمكن فهمها باعتبارها تحالفا سياسيا بسيطا، بل باعتبارها شبكة مصالح وتقاطعات تاريخية تشكلت خلال ثلاثة عقود من الحكم.
فحزب المؤتمر الوطني لم يكن مجرد حزب سياسي تقليدي، بل كان الإطار التنظيمي الذي حكم من خلاله نظام البشير، وارتبط بالحركة الإسلامية السودانية التي لعبت دورا أساسيا في بناء مؤسسات السلطة وإدارة الدولة. وبعد سقوط النظام عام 2019، تعرض الحزب للتفكيك والحل، لكن نفوذ عدد من الشخصيات المرتبطة به لم ينته بصورة كاملة.
ومع اندلاع الحرب في 2023، عادت بعض القوى الإسلامية إلى الواجهة من خلال خطاب التعبئة العسكرية والسياسية، وأصبح حضورها موضع جدل داخلي وخارجي بشأن دورها في دعم الجيش ومدى تأثيرها في قراراته.
وقد استفادت المؤسسة العسكرية، في ظل الحرب الطويلة، من وجود قوى سياسية وتنظيمية تمتلك شبكات اجتماعية وقدرات على التعبئة والحشد، لكن هذا التقاطع لا يعني بالضرورة وجود تطابق كامل بين أهداف الجيش وطموحات تلك القوى.
فالبرهان يحتاج إلى الاحتفاظ بمركزية القرار العسكري والسياسي، بينما تسعى التنظيمات المرتبطة بالنظام السابق إلى استعادة مساحة من النفوذ الذي فقدته بعد ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 وسقوط البشير. ومن هنا تنشأ معادلة دقيقة: الجيش قد يستفيد من قدرات بعض القوى الإسلامية في الحرب، لكنه قد لا يرغب في منحها سلطة سياسية مستقلة أو السماح لها بتقديم نفسها باعتبارها صاحبة الفضل في استمرار المؤسسة العسكرية.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة اعتقال هارون باعتباره رسالة محتملة إلى قيادات المؤتمر الوطني بأن التحالف في مواجهة قوات الدعم السريع لا يمنحها حصانة سياسية أو أمنية، ولا يخولها تجاوز حدود الدور الذي تقبل به القيادة العسكرية.
كما أن الخطوة قد تعكس رغبة البرهان في منع أي طرف من استثمار الحرب لإعادة إنتاج النظام السابق بصورة مباشرة، خاصة أن المجتمع الدولي يراقب بشدة أي مؤشرات على عودة رموز الإنقاذ إلى مراكز القرار.
غير أن ثمة احتمالا آخر لا يقل أهمية، وهو أن يكون الاعتقال مرتبطا بإعادة ترتيب التوازنات داخل المعسكر المؤيد للجيش، وليس بالضرورة بداية قطيعة شاملة مع التيار الإسلامي. فقد يكون استهداف شخصية معينة وسيلة لإعادة تنظيم النفوذ داخل التحالف، دون المساس بالاستفادة من بقية الشبكات والقوى التي تساند الجيش في الحرب.
والفرق بين الاحتمالين جوهري؛ فالأول يعني توجها نحو تقليص نفوذ الإسلاميين وإبعاد رموز النظام السابق عن المشهد، بينما الثاني يعني إعادة توزيع الأدوار وإخضاع القوى المتحالفة مع الجيش لمعادلة أكثر مركزية تحت قيادة البرهان.
وفي الحالتين، ستكون المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لمدى استقلال القرار العسكري عن القوى السياسية التي ساندته خلال الحرب، ومدى قدرة البرهان على الموازنة بين حاجته إلى الحلفاء ومتطلبات استعادة الشرعية الدولية.
المحكمة الجنائية الدولية.. هل يقترب ملف دارفور من لحظة الحسم؟
على المستوى القضائي، يمثل اعتقال هارون تطورا مهما في ملف العدالة الدولية بشأن دارفور، لكنه يظل خطوة أولى لا يمكن مساواتها بتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية أو بدء محاكمته.
فالمحكمة التي أصدرت مذكرة توقيفه عام 2007 لم تتمكن طوال السنوات الماضية من وضع يدها عليه، رغم استمرار القضية واحتفاظها بالاتهامات الموجهة إليه. ويعني ذلك أن توقيفه داخل السودان يعيد فتح إمكانية تنفيذ مذكرة الاعتقال، إذا قررت السلطات السودانية التعاون مع المحكمة واستكمال الإجراءات المطلوبة.
وتكمن أهمية هذا الاحتمال في أن ملف دارفور لم يكن مرتبطا بهارون وحده، بل شمل عددا من كبار المسؤولين السابقين في نظام البشير، وفي مقدمتهم الرئيس المعزول عمر البشير ووزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين.
فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق البشير على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإبادة جماعية، كما يواجه عبد الرحيم محمد حسين اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.
وبذلك فإن إعادة اعتقال هارون تضع السلطات السودانية أمام اختبار يتجاوز مصيره الشخصي إلى طبيعة موقفها من منظومة العدالة الدولية بأكملها.
فهل ستتعامل الخرطوم مع اعتقاله باعتباره فرصة لتنفيذ التزاماتها القانونية وفتح الباب أمام تسليم بقية المطلوبين؟ أم ستكتفي باحتجازه داخليا، وتتعامل مع القضية باعتبارها ملفا سياسيا يمكن استخدامه في علاقاتها الخارجية دون الوصول إلى مرحلة المحاكمة الدولية؟
وهنا تبرز نقطة قانونية أساسية، وهي أن المحكمة الجنائية الدولية لا تنفذ عمليات الاعتقال بنفسها، بل تعتمد على تعاون الدول لتنفيذ أوامرها. كما أن وجود المتهم داخل السجون السودانية لا يعني تلقائيا انتقاله إلى لاهاي، إذ يتطلب الأمر اتخاذ إجراءات قانونية واضحة والتعامل مع التزامات السودان بموجب نظام المحكمة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
والأهم أن ملف هارون لم يصل إلى مرحلة المحاكمة، لأن المحكمة لا تستطيع محاكمة المتهم في غيابه. وقد أوضحت المحكمة رسميا أن القضية ستظل في المرحلة التمهيدية إلى حين اعتقاله ونقله إلى مقرها في لاهاي.
ومن ثم، فإن الخطوة الأكثر دلالة لن تكون الإعلان عن اعتقاله فحسب، وإنما ما إذا كانت السلطات ستسمح للمحكمة بمباشرة اختصاصها القضائي، وتوفر الضمانات اللازمة لعدم إفلاته من المساءلة.
دارفور.. جرح لم يغلقه سقوط نظام البشير
لا يمكن فصل اعتقال أحمد هارون عن المأساة التي عاشها إقليم دارفور منذ عام 2003، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز القضايا التي دفعت المجتمع الدولي إلى التدخل في الملف السوداني.
فخلال سنوات الحرب، شهد الإقليم موجات واسعة من العنف والتهجير والتدمير، وأصبحت الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون محور تحقيقات دولية، انتهت بإحالة مجلس الأمن الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وبالنسبة إلى الضحايا والناجين، فإن استمرار وجود شخصيات مطلوبة دوليا خارج نطاق المحاسبة يمثل تذكيرا بأن سقوط النظام السياسي لا يعني بالضرورة انتهاء آثار الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات حكمه.
ولهذا فإن اعتقال هارون يحمل أهمية رمزية وإنسانية كبيرة، لأنه يعيد طرح قضية العدالة أمام الرأي العام السوداني، ويمنح عائلات الضحايا فرصة جديدة للمطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
لكن الرمزية وحدها لا تكفي. فالعدالة لا تتحقق بمجرد توقيف أحد المتهمين، ولا يمكن اعتبار الاعتقال انتصارا نهائيا للضحايا ما لم يتبعه مسار قضائي شفاف ومستقل يضمن حقوق المتهمين والضحايا على السواء.
كما أن خطورة الوضع الحالي تكمن في أن السودان يشهد حربا جديدة تتضمن بدورها اتهامات واسعة بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق المدنيين، خصوصا في دارفور ومناطق أخرى. وهذا يجعل مسألة المحاسبة أكثر تعقيدا، لأن السلطات مطالبة بالتعامل مع إرث الجرائم السابقة، وفي الوقت نفسه مع الانتهاكات المرتبطة بالصراع الراهن.
ومن هنا، فإن اختبار جدية الجيش في ملف العدالة لن يتوقف عند قضية هارون، بل سيمتد إلى مدى استعداده للسماح بالتحقيق في الانتهاكات التي تقع خلال الحرب الحالية، بصرف النظر عن هوية مرتكبيها أو انتماءاتهم العسكرية والسياسية.
فإذا جرى التعامل مع العدالة باعتبارها أداة انتقائية لاستهداف الخصوم أو تحسين الصورة الخارجية، فإن أثر الاعتقال سيظل محدودا. أما إذا أصبح بداية لمسار مؤسسي أوسع، فقد يشكل نقطة تحول في العلاقة بين الدولة السودانية والضحايا والمجتمع الدولي.
هل يستخدم البرهان ملف المطلوبين لإعادة بناء شرعيته الدولية؟
يواجه البرهان معضلة سياسية ودبلوماسية تتمثل في حاجته إلى تقديم نفسه باعتباره قائدا قادرا على الحفاظ على مؤسسات الدولة، في الوقت الذي تثير فيه الحرب الطويلة تساؤلات بشأن مستقبل الحكم العسكري وطبيعة التحالفات التي يستند إليها.
فمن جهة، يحتاج الجيش إلى الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية، بما يشمل القوى العسكرية والسياسية التي تقف إلى جانبه. ومن جهة أخرى، يحتاج إلى تخفيف الضغوط الخارجية وإقناع المجتمع الدولي بأن السودان لن يتحول إلى دولة تهيمن عليها جماعات مسلحة أو شبكات سياسية مرتبطة بالنظام السابق.
وهذه المعادلة تجعل ملف أحمد هارون ذا قيمة سياسية تتجاوز حدود القضية القضائية نفسها.
فمن خلال الاعتقال، قد يتمكن البرهان من تقديم دليل على أن المؤسسة العسكرية قادرة على اتخاذ إجراءات ضد شخصيات بارزة من عهد البشير، وأنها ليست مجرد امتداد سياسي للنظام السابق. وقد يسعى إلى استثمار ذلك في تحسين موقعه التفاوضي، سواء في اتصالاته مع الولايات المتحدة أو مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة السودانية.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديا أساسيا: المجتمع الدولي لن يكتفي بالإشارات، بل سيبحث عن نتائج ملموسة.
فإذا ظل هارون محتجزا دون تحديد مصيره، ولم تتبع الخطوة إجراءات قضائية واضحة، فقد ينظر إليها باعتبارها مناورة سياسية محدودة لا تعكس تحولا حقيقيا في سياسة الجيش تجاه العدالة الدولية.
كما أن أي محاولة لتوظيف الاعتقال في العلاقات مع واشنطن ستصطدم بملفات أخرى لا تقل أهمية، وفي مقدمتها حماية المدنيين، ووقف الانتهاكات، وفتح الممرات الإنسانية، والتعامل مع الاتهامات الموجهة إلى أطراف الصراع كافة.
ولذلك فإن البرهان قد يحصل على مكسب إعلامي ودبلوماسي أولي من اعتقال شخصية مطلوبة دوليا، لكنه لن يستطيع تحويل هذا المكسب إلى تغيير استراتيجي في العلاقات الخارجية دون خطوات إضافية.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل أحمد هارون وتداعيات الاعتقال
في ضوء المعطيات المتاحة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل القضية.
السيناريو الأول: تسليم هارون إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وهو السيناريو الأكثر أهمية على مستوى العدالة الدولية، لأنه سيعني انتقال القضية من مرحلة الملاحقة والاحتجاز إلى مرحلة المحاكمة، وسيمنح السلطات السودانية فرصة لإظهار استعدادها للتعاون مع المؤسسات القضائية الدولية.
ومن شأن هذه الخطوة أن تحمل رسائل قوية إلى واشنطن والعواصم الغربية، وأن تفتح الباب أمام تحرك أوسع بشأن بقية المطلوبين، خصوصا البشير وعبد الرحيم محمد حسين.
لكن هذا السيناريو سيحتاج إلى قرار سياسي وقانوني واضح، وقد يواجه اعتراضات من بعض القوى المرتبطة بالنظام السابق، التي قد ترى في تسليم هارون تهديدا لمصالحها وموقعها داخل المعسكر المؤيد للجيش.
السيناريو الثاني: احتجازه داخل السودان دون تسليمه.
في هذا الاحتمال، قد تختار السلطات إبقاء هارون تحت سيطرتها، سواء لأسباب قضائية داخلية أو سياسية أو أمنية، دون الإعلان عن نقله إلى لاهاي.
وسيمنح هذا الخيار البرهان قدرا من المرونة في إدارة الملف، إذ يمكنه الاحتفاظ بورقة الاعتقال في علاقاته الخارجية، مع تجنب الصدام المباشر مع القوى التي قد تعارض تسليم أحد أبرز رموز النظام السابق.
غير أن هذا المسار سيبقي القضية معلقة، وسيطرح أسئلة بشأن مدى احترام التزامات السودان القانونية، كما سيحد من قدرة الاعتقال على إحداث تحول حقيقي في ملف العدالة.
السيناريو الثالث: أن يكون الاعتقال جزءا من إعادة ترتيب العلاقة بين الجيش والإسلاميين.
وهذا السيناريو يضع التطور في سياق الصراع على النفوذ داخل المعسكر المؤيد للجيش، حيث يمكن أن يكون استهداف هارون رسالة إلى بقية قيادات المؤتمر الوطني بأن التحالف العسكري لا يعني امتلاك نفوذ سياسي مفتوح.
وقد يؤدي ذلك إلى توترات داخل القوى المتحالفة مع البرهان، خصوصا إذا اعتبرت بعض القيادات أن الاعتقال مقدمة لإبعاد رموز النظام السابق أو تقليص دور الحركة الإسلامية في إدارة المرحلة المقبلة.
لكن من الممكن أيضا أن تتعامل هذه القوى مع الخطوة باعتبارها إجراء محدودا لا يستهدف بنيتها التنظيمية بالكامل، وهو ما سيجعل تأثير الاعتقال على التحالفات الداخلية مرتبطا بالتطورات اللاحقة أكثر من ارتباطه بالعملية نفسها.
الاعتقال اختبار للبرهان وليس نهاية لملف العدالة
في المحصلة، يمثل اعتقال أحمد هارون تطورا سياسيا وقضائيا بالغ الأهمية في السودان، لأنه يعيد إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات تعقيدا منذ سقوط نظام عمر البشير، ويضع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان أمام اختبار يتداخل فيه الداخلي بالدولي، والسياسي بالقضائي.
فإذا كان الاعتقال خطوة نحو تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، فقد يشكل بداية تحول حقيقي في تعامل السلطات السودانية مع إرث الانتهاكات التي شهدتها البلاد، ويمنح الضحايا أملا جديدا في الوصول إلى العدالة بعد سنوات طويلة من الانتظار.
أما إذا كان الهدف الأساسي منه إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل المعسكر المؤيد للجيش، أو إرسال رسائل سياسية إلى واشنطن دون استكمال المسار القضائي، فإن تأثيره سيبقى محدودا، وقد يتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة المناورات التي تحكم المشهد السوداني منذ سقوط البشير.
وتبقى الأسئلة الأكثر إلحاحا مرتبطة بما سيحدث بعد الاعتقال: هل ستكشف السلطات مكان احتجاز هارون؟ هل ستعلن الأساس القانوني لتوقيفه؟ هل ستبدأ إجراءات تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية؟ وهل سيمتد التحرك إلى بقية المطلوبين من رموز النظام السابق؟
كما أن السؤال الأعمق يتعلق بمستقبل العلاقة بين البرهان والتيار الإسلامي: هل يسعى قائد الجيش إلى فك الارتباط تدريجيا مع رموز الإنقاذ لتقديم نفسه أمام الخارج باعتباره قائدا لمؤسسة عسكرية مستقلة عن النظام السابق، أم أنه يريد فقط ضبط حدود نفوذ حلفائه دون التخلي عنهم؟
حتى الآن، لا توجد إجابات حاسمة عن هذه الأسئلة. لكن المؤكد أن اعتقال هارون وضع البرهان أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من الخطوة سياسيا ودبلوماسيا، دون خسارة التوازنات الداخلية التي يستند إليها الجيش في حربه المستمرة.
وبين واشنطن ولاهاي والخرطوم، قد لا تكون قضية أحمد هارون مجرد مصير مسؤول سابق مطلوب للعدالة الدولية، بل اختبارا لمستقبل السلطة في السودان، ولقدرة البرهان على الفصل بين حسابات الحرب ومصالح التحالفات ومتطلبات المحاسبة.
ملاحظة تحريرية: استند التوسيع إلى المعلومات الواردة في نصك، مع إضافة تطورين مهمين في التغطيات المنشورة اليوم: اعتقال هارون جاء بعد ظهوره في مقابلة إعلامية، وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن توقيفه جرى في ولاية كسلا شرقي السودان، نقلا عن محاميين من فريق الدفاع. كما حافظت الصياغة على التمييز بين الاتهامات القضائية والإدانة، وبين التحليلات المحتملة لدوافع البرهان والوقائع المثبتة.
