الإخوان المسلمون والتطرف الإسلامي.. خطر أمني يعود إلى واجهة المشهد الأمريكي
بعد ربع قرن من هجمات 11 سبتمبر، تغيرت طبيعة النقاش الأمريكي حول الإرهاب بصورة جذرية. ففي السنوات الأولى كان السؤال الأساسي هو كيف يمكن حماية الولايات المتحدة من تنظيم القاعدة ومن الجماعات الجهادية التي أعلنت الحرب على الدولة الأمريكية. أما في 2026، فقد أصبح النقاش أكثر تعقيداً، إذ دخلت قضايا الإسلام السياسي والتطرف والهجرة والهوية الدينية إلى قلب المنافسة الحزبية والانتخابية.
وتكشف التطورات الأخيرة أن موضوع الإخوان المسلمين لم يعد ملفاً أمنياً فقط، بل تحول إلى ورقة في الصراع السياسي الداخلي. وفي المقابل، تحذر منظمات مدنية وباحثون من أن تحويل مكافحة التطرف إلى خطاب انتخابي قد يؤدي إلى توسيع دائرة الاتهام لتشمل أشخاصاً أو جماعات لا توجد أدلة على ارتباطها بالإرهاب.
-
أوكلاهوما تفتح جبهة جديدة ضد الإخوان.. دعوة لتصنيف الجماعة إرهابية على المستوى الفيدرالي
-
أوكلاهوما تفتح ملف الإخوان و«كير».. ستيت يطلب التحقيق ويدفع نحو تحرك اتحادي
11 سبتمبر.. بداية التحول
كان 11 سبتمبر لحظة تأسيسية في السياسة الأمريكية الحديثة. فقد أصبحت مكافحة الإرهاب أولوية وطنية، وأعيد تنظيم مؤسسات الأمن والاستخبارات، وتوسعت الحرب إلى أفغانستان ثم العراق، وبدأت الولايات المتحدة في بناء شبكة عالمية لمواجهة الجماعات الجهادية.
وكانت لجنة 11 سبتمبر واضحة في تحديد طبيعة العدو الذي واجهته الولايات المتحدة. فقد ركزت على تنظيم القاعدة وعلى الأيديولوجيات التي غذت الإرهاب الجهادي، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الإسلام ليس العدو وأن الإرهاب لا يمثل الدين الإسلامي.
هذه الثنائية ظلت حاضرة في السياسة الأمريكية لعقود، لكنها أصبحت أكثر صعوبة مع تحول الملف إلى موضوع انتخابي.
-
عقوبات أمريكية على محمود الإبياري.. خبير يكشف خيوط شبكة تمويل الإخوان وحماس
-
الإخوان تحت المجهر الأمريكي في أوروبا.. محمود الأيباري
كيف انتقل الملف من الأمن إلى السياسة؟
في المرحلة الأولى، كان الحديث عن الإرهاب مرتبطاً بصورة أساسية بأجهزة الاستخبارات والجيش والشرطة.
لكن مع مرور الوقت، أصبح الإرهاب جزءاً من النقاش حول الهجرة، والاندماج، والهوية الوطنية، والسياسة الخارجية.
وفي 2026، أصبحت قضية الإسلام السياسي مرتبطة كذلك بالانتخابات النصفية. فالمنافسة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي تجعل القضايا المرتبطة بالخوف والأمن والهجرة قابلة للاستخدام السياسي.
ويظهر ذلك بوضوح في الهجمات التي تعرض لها عبدول السيد، المرشح الديمقراطي في ميشيغان. فقد جعلته حملته الانتخابية هدفاً رئيسياً لانتقادات جمهورية، وتناول خصومه دينه ومواقفه السياسية وعلاقاته العامة. وأفادت Associated Press بأن بعض الاتهامات المتعلقة بصلاته بجماعات إرهابية لم تكن مؤسسة.
-
أوكلاهوما تقود موجة أميركية جديدة لتجريم الإخوان و كير وتصنيفهما كـ منظمتين إرهابيتين
-
من البدايات إلى الحاضر.. كيف توسعت شبكة الإخوان في الولايات المتحدة؟
صعود المسلمين داخل السياسة الأمريكية
المفارقة أن تصاعد الجدل حول الإسلام يحدث بالتزامن مع زيادة حضور المسلمين في المؤسسات السياسية.
فوفق Pew Research Center، يوجد في 2026 أربعة أعضاء مسلمين في الكونغرس، مع اقتراب انضمام عضو خامس، بينما أصبحت نيويورك أول مدينة أمريكية كبرى تنتخب عمدة مسلماً.
وهذا التحول يعني أن المسلمين الأمريكيين لم يعودوا مجرد مجموعة اجتماعية ينظر إليها السياسيون من الخارج، بل أصبحوا جزءاً من المنافسة السياسية نفسها.
لكن الحضور السياسي لا يعني وجود موقف موحد. فالمسلمون الأمريكيون ينتمون إلى خلفيات سياسية مختلفة، ومنهم الديمقراطي والمحافظ والمستقل، كما توجد بينهم اختلافات كبيرة حول قضايا السياسة الخارجية والاجتماعية والاقتصادية.
-
استراتيجية أمريكية جديدة تضع الإخوان تحت المجهر
-
الإخوان تحت مجهر الكونغرس الأمريكي.. رقابة أوسع على التمويل
هل الحزب الديمقراطي متعاطف مع الإخوان؟
هذه العبارة تحتاج إلى التعامل معها باعتبارها ادعاءً سياسياً يحتاج إلى دليل، لا باعتبارها حقيقة ثابتة.
هناك بالفعل سياسيون ديمقراطيون يدافعون عن منظمات أو شخصيات مسلمة تتعرض لاتهامات من خصومها، وهناك ديمقراطيون شاركوا في نقاشات تتعلق بالحريات الدينية وحقوق المسلمين.
كما أن بعض الديمقراطيين رفضوا جلسات الكونغرس التي ركزت على الإسلام السياسي أو الشريعة، معتبرين أنها تخلط بين التطرف وبين المسلمين الأمريكيين. ونقلت رويترز عن منظمات مسلمة ومسؤولين ديمقراطيين انتقاداتهم لما اعتبروه استهدافاً سياسياً للمسلمين.
لكن معارضة جلسة أو رفض خطاب سياسي لا يثبت وجود علاقة تنظيمية مع الإخوان.
في المقابل، يرى بعض الجمهوريين أن عدم دعم إجراءات أكثر صرامة تجاه الشبكات المرتبطة بالإخوان يمثل تساهلاً مع تهديد محتمل. وهذا موقف سياسي وأمني يجب نسبته إلى أصحابه، لا تقديمه كحقيقة محسومة.
-
الولايات المتحدة تصعّد ملاحقة شبكات الإخوان حول العالم
-
الولايات المتحدة تشدد عقوباتها على أفراد وكيانات مرتبطة بالإخوان وحماس
جلسة مجلس الشيوخ.. نموذج للاستقطاب
جلسة 5 أغسطس 2026 حول “شبكة الإخوان المسلمين في أمريكا” تمثل مثالاً واضحاً على الاستقطاب.
فمن جهة، قدم مؤيدو الجلسة القضية باعتبارها مسألة أمن قومي تستحق التحقيق. ومن جهة أخرى، قاطعها عدد من الديمقراطيين، واعتبروا أن الطريقة التي صيغ بها الموضوع تثير مخاطر على الحريات الدينية والسياسية.
هذا النوع من الخلاف لا يعني أن أحد الطرفين يرفض مكافحة الإرهاب. الخلاف الحقيقي يتعلق بتحديد مستوى الخطر، ونطاق الرقابة، وطبيعة الأدلة المطلوبة.
-
نفوذ الإخوان في مرمى تكساس.. إجراءات تستهدف شبكات التمويل
-
الإخوان في واشنطن: لماذا تحوّل ملف الجماعة إلى معركة أمن قومي داخل أمريكا؟
لماذا يعتبر تعريف “التطرف” مهماً؟
التطرف مصطلح واسع يمكن أن يستخدم للإشارة إلى أفكار سياسية أو دينية شديدة التشدد، لكنه لا يعني بالضرورة الإرهاب.
أما الإرهاب فيتعلق باستخدام العنف أو التهديد بالعنف لأهداف سياسية.
والخلط بين المفهومين يؤدي إلى مشكلة: فقد تصبح الأفكار غير الشعبية أو الخطاب السياسي المتشدد دليلاً على “الإرهاب” دون وجود فعل عنيف أو دعم مباشر له.
وفي المقابل، فإن التركيز على عدم وجود العنف وحده قد يؤدي إلى تجاهل شبكات التمويل أو التجنيد أو الدعم اللوجستي التي يمكن أن تساهم في بناء بيئة تساعد الجماعات الإرهابية.
ولهذا فإن الأجهزة الأمنية تعتمد عادة على تراكم الأدلة، لا على الهوية أو المواقف المجردة.
-
تقرير يثير الجدل في أمريكا حول نشاط ‘شبكات الإخوان’ داخل المدارس ودعوات لوقفها
-
تكساس تتخذ خطوات ضد الإخوان بعد تصنيفهم إرهابيين
الإعلام في قلب المعركة
في البيئة الرقمية، أصبحت المقاطع القصيرة جزءاً رئيسياً من تشكيل الرأي العام.
وقد تكون المقاطع التي تتناول تصريحات سياسية أو أمنية مؤثرة جداً لأنها تختصر نقاشاً معقداً في دقائق أو ثوان.لكن الاختصار قد يحذف السياق.
فإذا شاهد الجمهور تصريحاً عن “الإخوان” دون معرفة من المقصود تحديداً، فقد يفترض أن الحديث يشمل جميع المسلمين الأمريكيين. وإذا شاهد اتهاماً لحزب سياسي بالتعاطف مع الجماعة، فقد يفهمه باعتباره حقيقة مثبتة رغم عدم وجود دليل مستقل عليها.
لذلك فإن إعادة تداول المقاطع السياسية ينبغي أن ترافقها معلومات عن مصدر الادعاء، وطبيعته، وما إذا كانت هناك مصادر مستقلة تؤكده.
-
تقارير: جماعة الإخوان تعيد تشكيل شبكاتها لتجنب التصنيفات الدولية
-
تحركات أمريكية تعزز الضغوط الغربية على جماعة الإخوان
الخوف بعد 11 سبتمبر
تشير دراسة Pew إلى أن نظرة الأمريكيين إلى الإسلام أصبحت أكثر استقطاباً خلال السنوات الأخيرة، وأن الانقسام الحزبي حول الإسلام أصبح أكبر مما كان عليه مباشرة بعد الهجمات.
وتكشف هذه النتيجة أن الخوف الذي أنتجته هجمات 2001 لم يختف تماماً، بل أصبح مرتبطاً أحياناً بالمواقف الحزبية.
وهنا تكمن إحدى أهم نتائج المرحلة: القضية التي بدأت كملف أمن قومي تحولت تدريجياً إلى جزء من النقاش حول هوية أمريكا نفسها.
الجمهوريون والديمقراطيون.. اختلاف في المقاربة
يمكن تلخيص الخلاف السياسي دون ترتيب أو إصدار حكم:
المقاربة الجمهورية السائدة في هذا الملف تركز بدرجة أكبر على خطر الإسلام السياسي، والروابط المحتملة بين بعض المنظمات الأمريكية وشبكات خارجية، وعلى ضرورة تشديد الرقابة على التمويل والارتباطات التنظيمية.
المقاربة الديمقراطية السائدة بين المعارضين لهذه السياسات تركز بدرجة أكبر على التمييز بين الإرهاب والإسلام، وعلى حماية الحريات الدينية، وعلى ضرورة وجود أدلة محددة قبل توجيه اتهامات إلى منظمات أو أفراد.
وهناك بالطبع اختلافات داخل كل حزب، ولذلك لا يمكن اختزال ملايين الناخبين وأعضاء الكونغرس في موقف واحد.
-
أمريكا أولاً وعقيدة 2026: كيف أصبح تقويض الإخوان ركيزة لسياسة السلام من خلال القوة؟
-
جردة حساب 2026: دلالات تصنيف فروع الإخوان كمنظمات إرهابية ومساعي التوسيع القانوني
لماذا يصعب فصل الأمن عن الانتخابات؟
الانتخابات تعيد تعريف أولويات السياسيين. فالقضايا التي تخيف الناخبين أو تحشد القاعدة الانتخابية تصبح أكثر حضوراً في الخطاب.
وهذا ينطبق على الإرهاب والهجرة والجريمة، كما ينطبق على الإسلام السياسي.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، أصبح عبدول السيد مثالاً على كيفية تداخل الهوية والدين والأمن مع المنافسة الانتخابية. فقد وثقت تقارير حديثة تصاعد الهجمات على المرشحين المسلمين، فيما وصفت جهات بحثية وحقوقية بعض الخطاب بأنه جزء من تصاعد الإسلاموفوبيا في السياسة الأمريكية.
التحدي الحقيقي: حماية الأمن من التسييس
المشكلة ليست في مناقشة خطر التطرف. فهذا نقاش مشروع وضروري.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الاتهام الأمني بديلاً عن الأدلة، أو عندما يتحول الدين إلى مؤشر تلقائي على الخطر.
وبالمقابل، لا ينبغي أن يؤدي الخوف من الإسلاموفوبيا إلى تجاهل أي أدلة حقيقية على الإرهاب أو التمويل غير المشروع أو النشاط التنظيمي السري.
-
كيف أعادت واشنطن تعريف الخطر الإخواني في استراتيجية مكافحة الإرهاب الجديدة؟
-
فلوريدا تقر قانونا مثيرا.. الإخوان ضمن أهداف مكافحة الإرهاب
المعيار الأكثر قابلية للتحقق هو الأدلة: وثائق، تمويلات، اتصالات، أحكام قضائية، اعترافات، تقارير استخباراتية معلنة، أو وقائع موثقة.
قضية الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة أصبحت اليوم جزءاً من معركة سياسية أكبر حول تعريف التطرف وحماية الأمن والحريات الدينية.
وقد كشفت جلسات الكونغرس الأخيرة أن الخلاف ليس فقط حول الجماعة نفسها، وإنما حول الطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها الدولة الأمريكية مع الإسلام السياسي.
أما الادعاء بأن الحزب الديمقراطي “متعاطف مع الإخوان“، فلا يمكن التعامل معه كحقيقة عامة من دون أدلة تنظيمية محددة. الموجود في المصادر هو خلاف حزبي واضح حول قضايا الإسلام السياسي، وحقوق المسلمين، ونطاق الرقابة الأمنية. إضافة إلى اتهامات يوجهها بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين بشأن التساهل مع بعض الشبكات، في مقابل رفض ديمقراطيين لهذه القراءة.
