حصري

الجيش السوداني بين الاستنزاف وإعادة التشكيل: قراءة معمقة في استراتيجية التجنيس مقابل القتال


لم يعد المشهد العسكري في السودان قابلاً للقراءة ضمن الإطار التقليدي للصراعات المسلحة، حيث تفرض الوقائع الجديدة نفسها بقوة، كاشفة عن تحولات عميقة في بنية الجيش السوداني واستراتيجياته. فالمعطيات المتداولة حول الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدها الجيش في محاور كردفان والنيل الأزرق لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد نتائج طبيعية لحرب ممتدة، بل هي مؤشر واضح على حالة استنزاف خطيرة أصابت العمود الفقري للقوة العسكرية.

هذا الاستنزاف لم يترك للقيادة العسكرية هامشاً واسعاً للمناورة، بل دفعها نحو خيارات غير تقليدية، من بينها استقطاب مقاتلين من جنوب السودان، بل وتقديم عروض بمنحهم الجنسية السودانية مقابل الانخراط في القتال. هذه الخطوة لا تعكس فقط حجم الأزمة، بل تكشف أيضاً عن طبيعة التفكير السائد داخل المؤسسة العسكرية، والذي بات يميل إلى الحلول السريعة مهما كانت كلفتها السياسية أو القانونية. فحين تصل مؤسسة بحجم الجيش إلى مرحلة تعتمد فيها على استيراد المقاتلين لتعويض النقص، فإن ذلك يعني أن الأزمة تجاوزت حدود القدرة على المعالجة الداخلية، وأصبحت تهدد تماسك المؤسسة نفسها. الخسائر البشرية التي تعرض لها الجيش في جبهات القتال لم تكن مجرد أرقام يتم تداولها في التقارير، بل كانت ضربة مباشرة لقدراته العملياتية.

وحدات كاملة تعرضت للاستنزاف، وخطوط الدفاع أصبحت أكثر هشاشة، فيما تراجعت القدرة على تنفيذ عمليات هجومية معقدة تتطلب كثافة بشرية وتنظيماً محكماً. هذا الواقع انعكس أيضاً على الحالة المعنوية للجنود، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مستمرة دون دعم بشري كافٍ، ما أدى إلى تآكل الثقة في القدرة على تحقيق تقدم ميداني. في ظل هذه الظروف، لم يعد التجنيد التقليدي خياراً فعالاً. فالمجتمع السوداني نفسه يعاني من إرهاق الحرب، ولم يعد قادراً على ضخ أعداد كافية من المقاتلين، سواء بسبب الخوف أو الرفض أو فقدان الأمل.

وهنا برزت فكرة اللجوء إلى الخارج، وتحديداً إلى جنوب السودان، كخزان بشري يمكن استغلاله في هذه المرحلة الحرجة. هذا الاختيار لم يكن عشوائياً، بل استند إلى قراءة براغماتية لواقع دولة تعاني من أزمات اقتصادية خانقة، ونسب بطالة مرتفعة، وانتشار للسلاح بين فئات واسعة من السكان. استقطاب المقاتلين من جنوب السودان يتم، وفق ما تشير إليه التقارير، عبر قنوات غير رسمية في كثير من الأحيان، مستفيداً من شبكات محلية وعلاقات قبلية وعناصر وسيطة. هذه الآلية تعكس رغبة في تسريع عملية التجنيد بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام مخاطر متعددة، تتعلق بهوية هؤلاء المقاتلين وخلفياتهم ومدى قابليتهم للاندماج في بنية عسكرية نظامية. الأكثر إثارة للجدل هو استخدام الجنسية السودانية كحافز رئيسي في هذه العملية.

فبدلاً من أن تكون الجنسية نتيجة مسار قانوني واضح، أصبحت تُعرض كجزء من صفقة: القتال مقابل الهوية. هذا التحول يحمل دلالات عميقة، إذ يعكس استعداداً لإعادة تعريف مفهوم المواطنة تحت ضغط الحرب. فالجنسية، التي يفترض أن تكون تعبيراً عن انتماء طويل الأمد، تتحول هنا إلى أداة تكتيكية تُستخدم لتأمين ولاءات مؤقتة. هذا النهج يطرح إشكاليات معقدة تتجاوز البعد العسكري. فمن الناحية القانونية، يثير تساؤلات حول شرعية منح الجنسية في سياق صراع مسلح، وحول المعايير التي يتم اعتمادها في هذا الشأن. ومن الناحية السياسية، يهدد بتقويض فكرة الدولة الوطنية، التي تقوم على رابطة بين الأرض والشعب والسلطة. فعندما يتم توسيع دائرة “الشعب” عبر إدماج مقاتلين أجانب في إطار صفقة عسكرية، فإن ذلك يفتح الباب أمام تفكيك العقد الاجتماعي، وتحويل الدولة إلى كيان يقوم على المصالح المؤقتة بدلاً من الانتماء الحقيقي. المخاطر الأمنية المرتبطة بهذه السياسة لا تقل خطورة. فالمقاتلون الذين ينضمون بدافع المصلحة قد لا يمتلكون نفس مستوى الالتزام والانضباط الذي يتمتع به الجنود المحليون، ما قد يؤدي إلى خلل في التوازن داخل المؤسسة العسكرية. كما أن ولاءاتهم تبقى محل شك، خاصة في حال تغيرت الظروف أو توقفت الامتيازات التي حصلوا عليها. في مثل هذه الحالات، قد يتحولون من عنصر دعم إلى مصدر تهديد، سواء عبر التمرد أو الانخراط في أنشطة خارج إطار السيطرة.

إضافة إلى ذلك، فإن إدماج هؤلاء المقاتلين في المجتمع السوداني بعد انتهاء الصراع قد يخلق توترات اجتماعية وعرقية، خاصة إذا تم منحهم امتيازات لا تتوفر للمواطنين الأصليين. هذا السيناريو قد يؤدي إلى نشوء صراعات داخلية جديدة، تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف، ولكن أكثر تعقيداً. البعد الإقليمي لهذه السياسة لا يمكن تجاهله. فاستقطاب مقاتلين من جنوب السودان قد يُنظر إليه من قبل حكومة جوبا على أنه استنزاف لمواردها البشرية، أو حتى تدخل غير مباشر في شؤونها الداخلية.

هذا الأمر قد يؤدي إلى توتر في العلاقات بين البلدين، وربما يدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى اتخاذ خطوات مماثلة، ما يساهم في تدويل الصراع بشكل غير مباشر. ما يعكسه هذا المشهد هو أن القيادة العسكرية تتعامل مع الأزمة بمنطق براغماتي يركز على البقاء في المدى القصير، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار في المدى الطويل. هذا النوع من التفكير قد يحقق مكاسب آنية، لكنه غالباً ما يؤدي إلى تعقيدات أكبر في المستقبل. فالتاريخ العسكري مليء بأمثلة لجهات اعتمدت على مقاتلين أجانب أو سياسات تجنيد استثنائية، لتجد نفسها لاحقاً أمام تحديات أمنية وسياسية يصعب احتواؤها. في هذا السياق، يمكن القول إن ما يحدث ليس مجرد إجراء مؤقت، بل قد يكون بداية لتحول أعمق في طبيعة الجيش السوداني. فإذا استمرت هذه السياسات، فقد نشهد ظهور مؤسسة عسكرية مختلفة، أقل ارتباطاً بالمجتمع المحلي، وأكثر اعتماداً على عناصر خارجية. هذا التحول قد يغير من دور الجيش نفسه، ويجعله أقرب إلى كيان وظيفي يعتمد على مزيج من القوى، بدلاً من كونه مؤسسة وطنية متماسكة.

السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية هو ما إذا كانت هذه الاستراتيجية قادرة فعلاً على إنقاذ الوضع، أم أنها مجرد محاولة لكسب الوقت في ظل غياب حلول جذرية. فسد النقص البشري عبر استقطاب مقاتلين أجانب قد يوفر دعماً مؤقتاً، لكنه لا يعالج الأسباب الحقيقية للأزمة، بل قد يفاقمها على المدى البعيد. إن الجيش الذي يُعاد بناؤه على أساس الولاءات المؤقتة، والدولة التي تُعيد تعريف مواطنيها تحت ضغط الحرب، يواجهان معاً اختباراً صعباً يتعلق بالقدرة على الاستمرار.

فالمعادلة التي تقوم على “القتال مقابل الجنسية” قد تبدو مغرية في لحظة الأزمة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر قد تتجاوز بكثير الفوائد المرجوة منها. في ضوء كل ما سبق، يبدو أن السودان يقف أمام مفترق طرق حقيقي، حيث تتقاطع الضرورات العسكرية مع التحديات السياسية والقانونية. والخيارات التي يتم اتخاذها اليوم لن تحدد فقط مسار الصراع، بل ستشكل أيضاً ملامح الدولة في المستقبل، بما تحمله من فرص ومخاطر.

زر الذهاب إلى الأعلى