حصري

الدور السعودي في حرب السودان: التوازنات الدبلوماسية وأثرها في إطالة أمد النزاع


منذ اندلاع الشرارة الأولى للاشتباكات المسلحة في السودان، برزت المملكة العربية السعودية كلاعب محوري يسعى لصياغة مشهد تفاوضي يجمع الأطراف المتصارعة. ومع ذلك، فإن الطبيعة المعقدة للمقاربة السعودية، والتي تراوحت بين السعي لفرض الاستقرار وحماية مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر، ساهمت بشكل غير مباشر في توفير مظلة دبلوماسية أدت إلى إطالة أمد النزاع بدلاً من حسمه سرياً.
محددات الموقف السعودي والدوافع الاستراتيجية
تتحرك السياسة الخارجية السعودية تجاه السودان بناءً على رؤية أمنية واقتصادية واضحة. يمثل أمن البحر الأحمر أولوية قصوى للرياض، حيث تسعى لحماية الممرات الملاحية الحيوية ومشاريعها الساحلية الضخمة مثل مشروع “نيوم”. أي عدم استقرار طويل الأمد في السودان يهدد هذه الاستثمارات بشكل مباشر. بالإضافة إلى ذلك، ترتبط الرياض بعلاقات تاريخية مع المؤسسة العسكرية السودانية، وفي الوقت نفسه، حافظت على قنوات اتصال وثيقة مع قوات الدعم السريع التي شاركت لسنوات ضمن التحالف العربي في اليمن. هذا التشابك في المصالح جعل الموقف السعودي يميل نحو التوازن الحذر بدلاً من اتخاذ موقف حاسم ينحاز لجهة دون الأخرى.

منبر جدة المفاوض: إطالة الوقت أم صناعة السلام؟

أطلقت السعودية، بالشراكة مع الولايات المتحدة، “منبر جدة” كمنصة رئيسية لإجراء المفاوضات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ورغم أن هذا المنبر نجح في توقيع إعلانات مبادئ وهدن إنسانية مؤقتة، إلا أنه واجه انتقادات حادة لكونه تحول إلى أداة تمنح الأطراف المتصارعة وقتاً لإعادة ترتيب صفوفها العسكرية.
  • شرعنة الدعم السريع: يرى مراقبون أن جلوس قوات الدعم السريع على طاولة مفاوضات رسمية برعاية دولية منحها اعترافاً دبلوماسياً كطرف موازٍ للدولة، مما شجعها على التمسك بمطالبها ورفض الاستسلام.
  • غياب آليات الفرض: افتقرت اتفاقيات جدة إلى آليات تنفيذية صارمة على الأرض، مما سمح لكلا الطرفين بخرق الهدن المتكررة دون مواجهة عقوبات حقيقية، وهو ما أسهم في تحويل المفاوضات إلى عملية استنزاف زمنية ممتدة.

الدعم الإنساني والمالي وتخفيف الضغوط

قدمت المملكة العربية السعودية مساعدات إنسانية ضخمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وتعهدت بمليارات الدولارات لدعم المتضررين من الحرب. ورغم الطابع النبيل لهذه المساعدات، إلا أنها من الناحية الجيوسياسية خففت من وطأة الضغوط الشعبية والاقتصادية التي كان يمكن أن تشكل عامل ضغط حاسم يدفع الأطراف المتحاربة لإيقاف القتال. توفير شريان حياة إنساني مستمر سمح لجنرالات الحرب بالتركيز على العمليات العسكرية دون القلق التام من الانهيار الشامل للمجتمع، مما ساعد في استدامة الصراع.
زر الذهاب إلى الأعلى