حصري

الدور القطري في حرب السودان


لم تعد الأزمة السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 مجرد مواجهة محلية مسلحة بين جنرالين يتنازعان على السلطة، بل تحولت سريعاً إلى ساحة بالغة التعقيد للحروب الإقليمية بالوكالة. في هذا المشهد المتشابك، برزت التحركات الإقليمية كعامل حاسم في تعقيد الصراع وإطالة أمده. وتأتي دولة قطر كأحد الفاعلين الرئيسيين الذين ارتبط اسمهم بالملف السوداني عبر عقود من الدبلوماسية والاستثمار. ورغم الخطاب الرسمي القطري المتمسك بضرورة الحوار وسلامة الأراضي السودانية، يرى مراقبون ومحللون استراتيجيون أن طبيعة التحركات الدبلوماسية والسياسية للدوحة ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية، مما فرض خريطة نفوذ جديدة قوضت فرص التسوية السياسية السريعة وزادت من تمنع أطراف الصراع عن تقديم التنازلات.
الخلفية التاريخية لسياسة قطر: من وسيط سلام إلى طرف في التوازن
لفهم الدور القطري المعقد في الأزمة الراهنة، يجب العودة إلى إرث الدوحة الدبلوماسي في السودان. لسنوات طويلة، كانت قطر الراعي الأساسي لـ “اتفاقية الدوحة لسلام دارفور” عام 2011. هذا الحضور التاريخي منح الدوحة شبكة علاقات متشعبة وعميقة مع النخب السياسية والعسكرية السودانية، لا سيما المكونات القريبة من تيار الإسلام السياسي والنظام السابق. بعد الإطاحة بنظام عمر البشير، وجدت الدوحة نفسها في مواجهة واقع سياسي جديد يحاول إقصاء حلفائها التقليديين. ومع انفجار الصراع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم تكن التحركات القطرية معزولة عن رغبتها في حماية نفوذها التاريخي ومواجهة التغيرات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
كيف أعادت قطر تشكيل موازين القوى واستراتيجية الدعم الدبلوماسي؟
تعد إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان الأثر الأبرز للتحركات القطرية، وحجر الزاوية في تفسير استمرارية الحرب. عندما اندلعت الحرب، كانت القوات المسلحة السودانية تعاني من ضغوط ميدانية ودبلوماسية هائلة جراء التمدد السريع لقوات الدعم السريع في العاصمة والولايات. هنا، دخلت الدوحة بثقلها الدبلوماسي والسياسي لإعادة التوازن لمصلحة الجيش السوداني.
تجلت هذه التحركات في فتح المنابر الدبلوماسية واستقبال رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في الدوحة في زيارات رسمية رفيعة المستوى حظيت بتغطية إعلامية ضخمة. هذا الاعتراف الدبلوماسي الصارم والشرعية السياسية التي وفرتها الدوحة لقيادة الجيش ساهما في تقوية موقفه التفاوضي، وجعلاه يرفض الصيغ الدولية والإقليمية التي كانت تسعى لمساواة الجيش بقوات الدعم السريع كطرفين متنازعين على قدم المساواة. من المنظور الاستراتيجي، أدى هذا الدعم إلى خلق “حالة جمود مستعصية”؛ حيث شعر الجيش بأنه يمتلك ظهيراً إقليمياً سياسياً يمنعه من السقوط الدبلوماسي، مما دفعه إلى التمسك بخيار الحسم العسكري وإطالة أمد المواجهة الميدانية.
مساهمة قطر في تدويل الأزمة وصراع المحاور الإقليمية
ساهمت قطر في تعقيد الأزمة عبر إقحام الملف السوداني في أتون صراع المحاور الإقليمية والدولية. فالسودان، بموقعه الجيوسياسي الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر، يمثل جائزة كبرى للسيطرة على الممرات المائية ونفوذ القارة الإفريقية. التحركات القطرية، بالتنسيق والتحالف مع قوى إقليمية أخرى مثل تركيا، جاءت لخلق جبهة موازية ومجابهة للمحاور الإقليمية الأخرى المناهضة لتيارات الإسلام السياسي والمكون العسكري الحاكم في بورتسودان.
هذا التنافس الإقليمي الحاد أدى إلى “هندسة فوضى محكومة” داخل المشهد السوداني. عندما تتدخل قوى إقليمية متعددة بمصالح متضاربة، يتم تفتيت القرار الوطني السوداني. التحالفات الداخلية لم تعد تُبنى على أساس المصلحة الوطنية الشاملة، بل أصبحت ترتبط بالتمويل والدعم اللوجستي والسياسي القادم من وراء الحدود. الدوحة، من خلال تغذيتها لهذا الاستقطاب، ساهمت في تحويل الصراع من نزاع داخلي على السلطة إلى معادلة صفرية إقليمية؛ حيث يرى المحور القطري أن هزيمة الجيش في الخرطوم هي تهديد مباشر لنفوذه الجيوسياسي ومصالحه المستقبلية في البحر الأحمر.
أثر قطر في تعويم “فلول” النظام السابق وتغيير التحالفات الداخلية
من أخطر الانعكاسات التي أحدثتها التحركات القطرية على خريطة النفوذ الداخلي في السودان، هي إعادة رسم تحالفات الظل السياسية وتوفير بيئة حاضنة للتيارات الراديكالية. تشير التحليلات إلى أن الدبلوماسية القطرية، سواء المباشرة أو غير المباشرة، ساهمت في إعادة تعويم المكونات الإسلامية وعناصر النظام السابق (“الفلول”) داخل بنية القرار العسكري والسياسي الحالي المتمركز في بورتسودان.
بسبب ظروف الحرب الشديدة، احتاج الجيش إلى تعبئة شعبية وعسكرية سريعة، وهو ما وفرته الكتائب العقائدية المرتبطة بالنظام القديم التي تمتلك خبرة قتالية وتعبوية. هذا التلاقي في المصالح وجد مباركة وتسهيلاً وتغطية سياسية من الدوحة التي تمتلك إرثاً طويلاً من العلاقات مع هذه المجموعات الإسلامية. النتيجة كانت إعادة تشكيل جذرية للتحالفات الداخلية؛ حيث تراجعت القوى المدنية والديمقراطية إلى الهامش، وتصدرت المشهد قوى مسلحة وتيارات أيديولوجية ترى في استمرار الحرب وسيلتها الوحيدة للعودة إلى السلطة وتطهير المشهد من آثار ثورة ديسمبر. هذا التحول البنيوي في طبيعة النخبة الحاكمة جعل من الصعب جداً الحديث عن مسار ديمقراطي أو تسوية سلمية تعيد العسكر إلى الثكنات، مما يعني استمرارية الصراع لسنوات قادمة.
قراءة في الجمود التفاوضي وفشل مبادرات السلام بسبب التنافس الإقليمي
تُظهر القراءة المتعمقة لمسارات التفاوض (سواء في منبر جدة أو المبادرات الإفريقية التابعة للإيقاد) أن تعدد الفاعلين الإقليميين وتناقض استراتيجياتهم كانا السبب الرئيسي وراء الفشل المتكرر لوقف إطلاق النار. قطر، عبر تبنيها لاستراتيجية “الوساطة التنافسية”، حاولت في كثير من الأحيان الدخول كبديل أو كعنصر توازن للمبادرات التي تقودها أطراف إقليمية ودولية أخرى لا تثق بها الدوحة أو لا تتماشى مع رؤيتها للملف السوداني.
هذا “التشظي الوساطي” أتاح لأطراف الصراع السوداني، وخاصة الجيش، فرصة للمناورة السياسية واستهلاك الوقت والهروب من الالتزامات الدولية. عندما يشعر طرف عسكري ما أن بإمكانه اللجوء إلى المحور القطري لتخفيف الضغوط الدبلوماسية أو العقوبات المفروضة عليه من عواصم أخرى، فإنه يكتسب قدرة متزايدة على التملص من الاتفاقيات. هذا التكتيك قاد مباشرة إلى إطالة أمد الصراع، حيث تحولت المفاوضات من أداة لإنهاء الحرب إلى ساحة أخرى لإدارة النزاع وتحسين الشروط الميدانية على الأرض.
 
في المحصلة الاستراتيجية، تظل التحركات الإقليمية، وفي مقدمتها السياسات القطرية المعقدة، مسؤولة عن تحويل السودان إلى دولة ممزقة بلا مركز قرار موحد. إن المساهمة في إعادة تشكيل موازين القوى من خلال دعم طرف على حساب آخر، وإعادة إحياء التيارات الأيديولوجية المعزولة، وتدويل النزاع في إطار صراع المحاور، كل هذه العوامل تضافرت لتجعل الأزمة السودانية عصية على الحل. وفيما تستمر الدوحة في تقديم الدعم الإنساني كواجهة لسياساتها السيادية، فإن البنية الجيوسياسية التي ساهمت في صياغتها تضمن بقاء السودان في حالة حرب مستدامة، يدفع ثمنها المواطن السوداني من دمائه واستقرار بلاده.

زر الذهاب إلى الأعلى