المال الإيراني تحت المجهر.. كيف تموّل طهران حزب الله في لبنان؟
يواجه حزب الله أزمة في أحد أهم مصادر وجوده، وسط ضغوط لتقييد قنوات التمويل التي اعتمد عليها لعقود.
هذا ما كشفته صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير مشيرة إلى أن الحزب يواجه أشد ضائقة اقتصادية له منذ سنوات، بعدما أدت الحرب والضغوط على قنوات تمويله إلى إرباك قدرته على تمويل عملياته وشبكة خدماته الاجتماعية.
استهداف البنى المالية
لم تقتصر الضربات الإسرائيلية على استهداف أسلحة حزب الله، بل طالت بشكل مباشر الشبكات المالية للحزب، ومنها:
- “القرض الحسن”، حيث دمرت الطائرات الإسرائيلية أكثر من عشرة فروع لهذه المؤسسة، التي تعتبر البنك الفعلي لحزب الله في لبنان، ويقدم قروضا بلا فوائد لآلاف اللبنانيين من مناصريه.
- محال الصرافة، إذ تم استهداف محالات كانت تستخدمها إيران لتحويل الأموال إلى حزب الله، حيث قدّرت وزارة الخزانة الأمريكية أن طهران حولت نحو مليار دولار خلال العام الماضي، معظمها عبر نظام “الحوالة”.
- محطات الوقود التي كانت تدر إيرادات على الحزب.
وأوضحت الصحيفة، أن هذه الغارات جاءت “تتويجا لأشد حملة على الإطلاق قادتها إسرائيل وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحكومة اللبنانية نفسها، بهدف خنق حزب الله ماليا عبر تعطيل قنوات تمويله، ولا سيما القادمة من إيران”.
وعلى مدى أشهر قبل الحرب، عملت الحكومة اللبنانية، تحت ضغط إدارة ترامب، على إغلاق الطرق التي كان الحزب يستخدمها لتلقي الأموال وتحويلها، مثل مطار بيروت الدولي.
كما مارست واشنطن ضغوطا على مصرف لبنان المركزي لتشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي في البلاد، الذي استغله حزب الله طويلا.
التمويل الإيراني
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد قدرت قبل الحرب أن تمويل إيران لحزب الله يبلغ حوالي 700 مليون دولار سنويا، ما يشكل الجزء الأكبر من ميزانية الحزب السنوية التي تبلغ مليار دولار.
ووفقا لمسؤولين لبنانيين وأمريكيين وإسرائيليين، زادت إيران دعمها المالي لحزب الله خلال العام الماضي، إلا أن هذا المبلغ لا يزال غير كاف لتغطية نفقات الحزب الباهظة المتعلقة بالحرب.
وبحسب “نيويورك تايمز”، بدأت الحملة على الموارد المالية لحزب الله بشكل فعلي في أواخر عام 2024، قبل أن يتلقى ضربة إضافية بعد السقوط المفاجئ لحكم الرئيس السوري بشار الأسد، عقب وقت قصير من وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب بين إسرائيل وحزب الله.
وأدى سقوط الأسد إلى جعل الحزب أكثر عزلة عن طهران، بعدما خسر طريق تهريب حيويا عبر سوريا في الوقت الذي كان فيه بأمس الحاجة إلى الأموال لإعادة بناء عملياته والحفاظ عليها
مطار بيروت.. قناة بديلة للتمويل
مع قطع الطريق البري عبر سوريا فعليا، سارعت إيران إلى البحث عن وسائل بديلة لتمويل حزب الله، وفقا لمسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وأشخاص مطلعين على الشؤون المالية للحزب.
وبحسب مسؤول أمريكي وآخر لبناني رفيع المستوى أُطلع على تفاصيل القضية، لجأت طهران إلى مطار بيروت، الذي كان يخضع فعليا لسيطرة حزب الله لسنوات، واستخدم لاستقبال التمويل والأسلحة الإيرانية.
لكن المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين كانوا يتابعون هذا المسار. وفق المصادر،
وفي مطلع العام الماضي، نقل مسؤولون أمريكيون إلى الحكومة اللبنانية تحذيرا إسرائيليا مفاده أن إيران كانت ترسل حقائب محشوة بالدولارات الأمريكية إلى حزب الله على متن رحلات مدنية إلى بيروت.
وفي بعض الحالات كان يحمل تلك الحقائب دبلوماسيون إيرانيون، وفقا لمسؤولين لبنانيين ومسؤول إسرائيلي.
وعلى إثر ذلك، تم إبعاد موظفين في المطار مرتبطين بحزب الله من مناصبهم، بينما عينت السلطات اللبنانية ضباطا أمنيين يعملون بالتنسيق مع مسؤولين أمريكيين، بحسب مسؤول أمريكي ومسؤولين لبنانيين اثنين.
تشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي
بعد تضييق الخناق على قنوات التمويل الخارجية، اتجهت واشنطن إلى مصرف لبنان المركزي، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الاقتصاد النقدي. وفق الصحيفة.
وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن حزب الله استغل هذا الاقتصاد لغسل الأموال غير المشروعة وتحويل الأموال القادمة من إيران.
ووفق مسؤول لبناني رفيع المستوى أُطلع على عملية التعيين، عملت إدارة ترامب، العام الماضي، على التأثير في تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان المركزي. وهو ما لم تؤكده واشنطن من قبل.
وسرعان ما أثبت الحاكم الجديد، كريم سعيد، استعداده لاتخاذ إجراءات ضد حزب الله. فقد أبعد أو أقال مسؤولين كبارا في المصرف يشتبه في ارتباطهم بالحزب.
كما أمر سعيد بتفتيش مكتبه بحثا عن أجهزة تنصت، ورفض استخدام أجهزة الكمبيوتر التي وفرها المصرف، وسط مخاوف من المراقبة، بحسب مسؤول رفيع في المصرف المركزي ومذكرة داخلية حصلت عليها “نيويورك تايمز”.
ومع تولي الحاكم الجديد المدعوم من الولايات المتحدة منصبه، بدأ المصرف المركزي تحقيقا في أكبر شركات تحويل الأموال في البلاد، وفي الاشتباه باستخدام حزب الله لها لنقل الأموال، وفقا لوثائق داخلية اطلعت عليها الصحيفة ومسؤول رفيع في المصرف المركزي.
ومنذ بدء التحقيق، لفتت الصحيفة، إلى أن السلطات اللبنانية بدأت الرقابة على عمليات تحويل الأموال.
وفي هذا الصدد، يقول برايان إي. نيلسون، وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الخزانة الأمريكية أشرف على العقوبات المفروضة على الحزب خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن: “كان حزب الله قادرا على توليد مبالغ كبيرة من الأموال باستمرار من خلال إساءة استخدام تلك الشبكات”.
محال الصرافة.. قناة بديلة أيضا
ومع خضوع شركات تحويل الأموال الكبرى لمزيد من التدقيق، واصل حزب الله الاعتماد بصورة كبيرة على شبكة أقل تنظيما من محال الصرافة، والتي أصبحت بسرعة القناة الرئيسية التي تمول إيران من خلالها الحزب، وفقا لمسؤول إسرائيلي رفيع في وزارة الدفاع وشخص آخر مطلع على الشؤون المالية لحزب الله.
وعندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على صرافي أموال لبنانيين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قالت إن إيران كانت قد حولت بالفعل نحو مليار دولار إلى حزب الله خلال ذلك العام، معظمها عبر نظام الحوالة.
تراجع شبكة الخدمات الاجتماعية
ومع تسارع وتيرة حملة التضييق، بدأت شبكة الرعاية الاجتماعية التابعة لحزب الله تظهر علامات على التراجع.
وقال مسؤولون في حزب الله ومستفيدون من خدماته لـ”نيويورك تايمز” إنه رغم أن الرواتب لا تزال تُدفع إلى حد كبير لعشرات الآلاف من مقاتليه، فإن بعض الخدمات الاجتماعية جرى تقليصها، بينما يعيد الحزب ترتيب أولويات إنفاقها.
“القرض الحسن” وتجارة الذهب
وفي فبراير/شباط، أي قبل أسابيع من اندلاع أحدث حرب بين إسرائيل وحزب الله، ذكرت وزارة الخزانة الأمريكية إن مسؤولين كبارا في “القرض الحسن”، البنك الفعلي لحزب الله، أسسوا سلسلة من شركات تجارة الذهب لجمع الأموال.
وأظهرت دفاتر حسابات ، قالت “نيويورك تايمز” إنها راجعتها، إلى جانب تقييمات أعدها محللون يتابعون الاقتصاد النقدي لحزب الله، أن مبيعات الذهب ارتفعت خلال العام الماضي.
وكان أحد أسباب رغبة حزب الله في تحويل الذهب إلى أموال نقدية هو أن الغارات الجوية الإسرائيلية دمرت جزءا كبيرا من احتياطياته من العملات الأجنبية والذهب، وفقا لمسؤولين إسرائيليين وأمريكيين.
وفي العام الماضي، حظر لبنان على البنوك وشركات الوساطة المالية في البلاد التعامل مع “القرض الحسن”، ما أدى إلى زيادة عزل حزب الله عن النظام المالي الرسمي.
ويعتمد مئات الآلاف من اللبنانيين، وكثير منهم من أنصار حزب الله، على “القرض الحسن” للحصول على قروض بلا فوائد ومدفوعات تعويضية مرتبطة بالحرب.
وتضغط إدارة ترامب الآن على الحكومة اللبنانية لإغلاق هذه المؤسسة بشكل كامل.
